يسود اعتقاد خاطئ لدى فئة كبيرة من الراغبين في التخلص من الوزن الزائد بأن الطريق نحو الرشاقة يجب أن يكون محفوفًا بالجوع القاسي، فيلجأون إلى إجراءات صارمة تتمثل في استبعاد أصناف كاملة من غذائهم كالخبز والسكريات، أو تقليص عدد الوجبات إلى الحد الأدنى، ظنًا منهم أن هذا “التقشف الغذائي” سيحقق نتائج فورية وملموسة، إلا أن الواقع العلمي يكشف جانبًا مغايرًا تمامًا لهذه التوقعات.

وفي هذا السياق، توضح خبيرة التغذية الدكتورة سكينة جمال أن الأرقام التي تتناقص بسرعة على الميزان في الأسابيع الأولى من هذه الحميات ليست سوى خدعة بصرية؛ فالجسم في تلك المرحلة لا يتخلص من الدهون المتراكمة كما نأمل، بل يستنزف مخزونه الحيوي من السوائل وجزءًا من كتلته العضلية ومصادر الطاقة السريعة، مما يعطي شعورًا زائفًا بالإنجاز بينما تبقى الدهون العنيدة في مكانها دون تغيير يذكر.

ومن الضروري فهم أن الجسد البشري يعمل بنظام بيولوجي ذكي للغاية؛ فعندما يشعر بتقلص شديد ومفاجئ في الإمدادات الغذائية، يعلن حالة طوارئ داخلية، فيتخذ رد فعل دفاعي يتمثل في إبطاء عمليات الأيض والحرق للحفاظ على الطاقة المتبقية، وتضطرب الهرمونات فتزداد إشارات الجوع وتقل مؤشرات الشبع، بل ويصبح الجسم أكثر تمسكًا وتخزينًا للدهون خوفًا من استمرار هذا النقص، مما يأتي بنتائج عكسية تمامًا لما يطمح إليه الشخص.

وسرعان ما يصطدم متبعو هذه الأساليب القاسية بحائط مسدود، حيث أثبتت التجارب المتكررة أن سياسة التجويع لا تؤسس لنمط حياة مستدام، فبمجرد التوقف عن النظام الصارم -وهو أمر حتمي لعدم قدرة الإنسان على التحمل الطويل- تعود الشهية بشراسة أكبر، ويستعيد الجسم الوزن المفقود وربما أكثر، لأن تلك الفترة لم تكن سوى ضغط مؤقت وليست تغييرًا حقيقيًا في السلوكيات الغذائية.

ولا تقتصر الآثار الجانبية لهذا النهج على الجانب الجسدي فحسب، بل تمتد لتضرب الاستقرار النفسي، إذ يؤدي الجوع المستمر إلى تذبذب حاد في المزاج، وتراجع مستويات الطاقة والتركيز، ونشوء علاقة متوترة وغير صحية مع الطعام يملؤها الشعور الدائم بالذنب، مما يحول رحلة البحث عن الصحة والرشاقة إلى مصدر للقلق والتوتر اليومي بدلاً من أن تكون وسيلة للتحسن.

ويكمن الحل الجذري والفعال في استبدال مفهوم “الحرمان” بمبدأ “التنظيم الواعي”، فالوصول للوزن المثالي لا يعني الامتناع عن الأكل، بل يعني إدارة الكميات واختيار المكونات بذكاء، من خلال دمج كافة العناصر الغذائية من بروتينات تحافظ على العضلات، ودهون صحية، وألياف نباتية، وكربوهيدرات معقدة، مع الاهتمام بجودة النوم وشرب الماء والنشاط الحركي؛ فالنجاح الحقيقي هو أن تتبنى نظامًا غذائيًا يشعرك بالشبع والرضا، ويتحول إلى أسلوب حياة دائم يمكنك الالتزام به دون عناء أو شعور بالنقص.