من المفارقات العجيبة التي تطل برأسها مع هلال الشهر الكريم، أن هذا الموسم الذي يُفترض أن يكون واحة للسكينة والروحانيات، يتحول في بعض البيوت إلى ساحة للتوتر والمشاحنات الزوجية، وهو تناقض استدعى وقفة تحليلية لفهم ما يحدث خلف الأبواب المغلقة، وهل يكمن الخلل في فريضة الصيام ذاتها أم في أسلوب تعاطي البشر مع ضغوطها.

وفي تشخيصه لهذه الظاهرة، يرى الدكتور محمد هاني، المتخصص في الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، أن المسألة لا يمكن اختزالها في سبب يتيم، بل هي نتاج تشابك معقد بين متغيرات جسدية ونفسية واجتماعية؛ فالتغير المفاجئ في النظام البيولوجي للإنسان يلعب دور البطولة في هذا المشهد، حيث يؤدي انخفاض معدلات الجلوكوز في الدم، خاصة في الأيام الأولى، إلى حالة من الاستنثار السريع وضيق الصدر، ناهيك عن الصداع والإعياء البدني الذي يقلص من قدرة الفرد على التحمل واستيعاب الآخر.

ولا يتوقف الأمر عند حدود الجوع والعطش، بل يمتد ليشمل فوضى النوم التي تضرب الروتين اليومي للكثيرين؛ فبين السهر للفجر ومحاولة اللحاق بساعات عمل النهار، يعاني الجهاز العصبي من الحرمان من الراحة، وهو ما يؤثر علميًا على المناطق المسؤولة عن ضبط الانفعالات في الدماغ، مما يجعل ردود الفعل مبالغًا فيها، وتتحول الساعات الأخيرة قبل أذان المغرب إلى “منطقة خطر” قد تتسبب فيها كلمة عابرة أو تعليق بسيط في إشعال فتيل أزمة لا داعي لها.

وعلى الصعيد الاجتماعي والمنزلي، تفرض طقوس الشهر أعباءً إضافية تلقي بظلالها الثقيلة على العلاقة، إذ تتحول المطابخ إلى ورش عمل لا تهدأ لتلبية متطلبات الموائد والعزائم، وغالبًا ما يقع هذا العبء على كاهل الزوجة وحدها، ومع غياب المشاركة الفعالة أو حتى كلمات الشكر والامتنان، يتولد شعور عميق بالغبن وعدم التقدير، يضاف إلى ذلك الضغط المادي الناتج عن تضخم ميزانية الطعام والضيافة، مما يخلق بيئة خصبة للتوتر الصامت الذي ينتظر أي شرارة للانفجار.

كما يقع الكثير من الأزواج في فخ “التوقعات الحالمة”، حيث يرسمون في مخيلتهم سيناريوهات مثالية عن شهر يملؤه الود والعبادة المشتركة، متجاهلين حقيقة الإرهاق البشري الطبيعي، وحين يصطدم هذا الخيال بصخرة الواقع اليومي وضغوطاته، يصاب الطرفان بخيبة أمل تترجم إلى نقد متبادل، ويزيد الطين بلة انعدام لغة الحوار الحقيقي؛ فالوقت موزع بين العبادات والمسلسلات والزيارات، مما يغيب جلسات الصفاء التي تذيب الجليد، فتتراكم المواقف الصغيرة لتشكل حاجزًا نفسيًا.

وللخروج من هذا النفق والحفاظ على مودة القلوب، يتطلب الأمر قليلًا من الحكمة وإدارة الذات، بدءًا من تجنب فتح الملفات الشائكة في لحظات الجوع والإرهاق، ومرورًا بترسيخ مبدأ المشاركة في الأعباء المنزلية، وصولًا إلى ضرورة اقتناص أوقات للراحة والنوم لتهدئة الأعصاب، مع عدم إغفال مفعول الكلمة الطيبة والتقدير المتبادل الذي يعد الترياق الأقوى لامتصاص أي توتر عابر.