في طفرة علمية لافتة، توصل باحثون في جامعة “ستانفورد” إلى ابتكار تقني يعتمد على الخوارزميات المتطورة لتحليل بيانات النوم، حيث أثبت هذا النظام قدرة فائقة على التنبؤ باحتمالية الإصابة بأكثر من مائة حالة مرضية مختلفة بمجرد مراقبة المريض لليلة واحدة، معتمداً في ذلك على قراءة المؤشرات الحيوية للجسم وكأنها لغة خاصة.

يعمل هذا النموذج المبتكر، الذي أُطلق عليه اسم “SleepFM”، وفق آلية مشابهة للنماذج اللغوية الكبيرة، ولكن بدلاً من معالجة النصوص والكلمات، فإنه يقوم بفك شفرات الإشارات الفسيولوجية المعقدة. يقوم النظام برصد وتحليل نشاط الموجات الدماغية، وتسارع نبضات القلب، وإيقاع التنفس، بالإضافة إلى الحركات الدقيقة للعينين والأطراف أثناء السبات، ليتمكن من تقييم المخاطر الصحية المحتملة بدقة عالية.

استندت هذه النتائج، التي نُشرت تفاصيلها في دورية “نيتشر” العالمية، إلى قاعدة بيانات ضخمة وتاريخية تضمنت ما يزيد عن نصف مليون ساعة من تسجيلات النوم، جُمعت من عشرات الآلاف من المرضى على مدار خمسة وعشرين عاماً. وقد تعامل الذكاء الاصطناعي مع مقتطفات زمنية قصيرة جداً من هذه البيانات وكأنها “مفردات”، ليتعلم من خلالها تكوين صورة شاملة عن الحالة الصحية، وهو ما وصفه الخبراء المشاركون بأن النظام يتعلم حرفياً “لغة النوم”.

وقد أظهرت الاختبارات كفاءة مذهلة لهذا النموذج، حيث حقق دقة تجاوزت 80% في استشراف أمراض خطيرة ومزمنة مثل الزهايمر، وباركنسون، والخرف، وسرطانات الثدي والبروستاتا، فضلاً عن مشاكل القلب الناتجة عن ارتفاع الضغط. كما تميز النظام بقدرة عالية على التنبؤ بمخاطر الوفاة، ورغم انخفاض النسبة قليلاً عند رصد أمراض أخرى كالفشل الكلوي والسكتات الدماغية، إلا أنها ظلت ضمن مستويات يعتد بها طبياً.

ويرى القائمون على البحث أن ساعات النوم الطويلة توفر نافذة فريدة لمراقبة وظائف الأعضاء بدقة متناهية، مما يتيح رصد مؤشرات صحية غزيرة. ومن الملاحظات الهامة التي كشفتها الدراسة، أن عدم التوافق الزمني بين الإشارات الحيوية المختلفة، مثل أن يكون الدماغ في حالة نوم عميق بينما يظهر القلب نشاطاً يشبه اليقظة، يُعد علامة تحذيرية قوية تنبئ بوجود مشاكل صحية كامنة.

وفي حين يسعى الفريق البحثي لتعزيز قدرات النموذج مستقبلاً عبر دمج البيانات الواردة من الأجهزة الذكية القابلة للارتداء، فقد نوهوا إلى نقطة جوهرية تتعلق بعينة البحث؛ إذ اعتمدت الدراسة الحالية على أشخاص يترددون بالفعل على عيادات النوم لشكواهم من مشاكل صحية، مما يعني أن النتائج قد تختلف عند تطبيقها على عامة الناس الأصحاء، وهو جهد علمي جديد يضاف إلى رصيد الجامعة العريق في مجالات الابتكار والتقنية.