تناول الكاتب عبدالرحمن الراشد ملف مستقبل اليمن الشائك من منظور يغلب عليه الطابع السياسي والقانوني البحت، داعياً إلى تنحية العواطف الجياشة التي عادة ما تصاحب الحديث عن وحدة الأوطان جانباً. ففي معرض تعقيبه على طرح للصحفي همدان العيلي، أكد الراشد أن الرغبة في بقاء اليمن موحداً هي بلا شك غاية نبيلة تتوافق مع المنطق السليم ومبادئ الوفاء بالعهود، غير أن استقراء التاريخ يثبت أن مشاريع الوحدة العربية، رغم رمزيتها الاقتصادية وأبعادها الرومانسية، ظلت في الغالب مجرد طموحات عاطفية اصطدمت بصخرة الواقع ولم يكتب لها النجاح العملي.

وانتقل الكاتب لتشريح الواقع اليمني المتردي منذ أكثر من عقد، وتحديداً عقب الاضطرابات التي انطلقت عام 2011، وما تلاها من استيلاء جماعة الحوثي على مقاليد الأمور في صنعاء، مشيراً إلى أن هذا الانقلاب لم ينجح في بناء دولة، بل أوجد كياناً فاقداً للشرعية ومجرداً من أبسط الخدمات، ليتحول إلى أداة تهديد تتجاوز الحدود اليمنية لتشكل خطراً إقليمياً ودولياً. ورغم قتامة المشهد وسقوط مؤسسات الدولة وسيطرة الميليشيات المرتبطة بطهران، يرى الراشد مفارقة لافتة؛ وهي أن اليمن -بمساحته الشاسعة- نجا حتى الآن من الانزلاق في أتون حرب أهلية شاملة كالتي دمرت دولاً أخرى في المنطقة، حيث ظلت المواجهات محصورة في الغالب ضمن جبهات محددة ضد الانقلابيين.

غير أن الخطر الأكبر الذي يحذر منه الراشد يكمن في المؤشرات المقلقة لظهور تصدعات وصراعات جديدة ولأول مرة بين القوى التي تقع خارج دائرة النفوذ الحوثي، مما ينذر باحتمالية دخول البلاد في نفق مظلم من الحروب الأهلية طويلة الأمد التي قد تستنزف الموارد والجغرافيا لسنوات، حتى وإن سقط الانقلاب واستعادت الشرعية سيطرتها على العاصمة. وهذا السيناريو الكارثي لا يهدد الداخل اليمني فحسب، بل يلقي بظلاله القاتمة على أمن دول الجوار وسلامة الممرات الملاحية العالمية، فضلاً عن تحويل البلاد إلى بيئة خصبة للجماعات المتطرفة.

وفيما يتعلق بالقضية الجنوبية، شدد الراشد على أنها معضلة ذات جذور عميقة تسبق الأزمات الحالية، وأن حسم جدلية الانفصال أو البقاء في إطار الدولة الواحدة لا يجب أن يتم عبر فوهات البنادق أو الشعارات الحماسية، بل عبر الاحتكام للأطر الدستورية والقانونية والإرادة الشعبية. ولفت إلى أن الدستور اليمني، رغم مكانته، ليس نصاً جامداً غير قابل للمساس، بل يتضمن آليات تشريعية واضحة تتيح تعديله وتغيير شكل النظام السياسي من خلال البرلمان والاستفتاء الشعبي. وخلص الكاتب في رؤيته إلى أن الحل يكمن في سيادة القانون والمؤسسات؛ فإذا اتجهت أغلبية النواب والإرادة الشعبية نحو خيار الانفصال، فلا مسوغ لفرض الوحدة بالقوة والقسر، حيث أن احترام الحوكمة والخيارات السلمية هو السبيل الوحيد لضمان مصلحة واستقرار الجميع.