تتسم بعض العلاقات العاطفية بتعقيدات شديدة قد تؤدي إلى استنزاف الروح لسنوات طويلة، وخاصة تلك التي يكون طرفها شخصاً يحمل سمات النرجسية. وتكمن الخطورة الحقيقية هنا في البراعة التي يمتلكها هذا النوع من الرجال في ارتداء قناع المثالية والجاذبية المفرطة في البدايات، مما يجعل اكتشاف حقيقته مبكراً أمراً مصيرياً لتجنب الندم لاحقاً. وفي هذا السياق، يشير خبراء الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، مثل الدكتور محمد هاني، إلى أن الجوهر الحقيقي للنرجسي يتمحور حول تضخم الأنا؛ فهو يرى نفسه الشمس التي يجب أن تدور حولها الكواكب، متعطشاً دائماً للتبجيل والمدح، في وقت يعاني فيه من فقر مدقع في المشاعر الإنسانية وافتقار تام للقدرة على الإحساس بآلام المحيطين به أو التعاطف معهم.
لحماية النفس قبل الغوص في علاقة عميقة، توجد مؤشرات سلوكية واضحة تفضح هذه الشخصية وتدعو للحذر. فغالباً ما تجدينه يستأثر بالحديث ليروي بطولاته الشخصية، مقتنعاً بأنه معصوم من الخطأ، بل ويبرع في إسقاط زلاته على الآخرين وتوجيه اللوم لهم بدلاً من تحمل المسؤولية. علاوة على ذلك، يتسم أسلوبه بالاستخفاف بمشاعرك والسخرية منها، مع رغبة جامحة في فرض السيطرة واحتكار اتخاذ القرارات المصيرية دون مشاركة. ستلاحظين أيضاً تقلباته الحادة؛ فهو يظهر بصورة فارس الأحلام ثم يتحول فجأة لشخص آخر، ناهيك عن غيرته الخانقة وحساسيته المفرطة تجاه أي نقد مهما كان بسيطاً، بينما ينتشي بعبارات الثناء. والأخطر من ذلك هو أسلوبه في التلاعب الذهني الذي يهدف إلى زعزعة ثقتك بنفسك وجعلك تشكين في سلامة تفكيرك.
قد يتساءل البعض عن سر الانجذاب لمثل هذه الشخصيات المؤذية، والجواب يكمن في مهارة النرجسي في التلاعب العاطفي؛ حيث يغمر شريكته في مستهل العلاقة بفيض من الاهتمام والحب المصطنع ليضمن تعلقها به سريعاً، ثم يبدأ بسحب هذا البساط تدريجياً، تاركاً إياها في دوامة من الحيرة والاستنزاف النفسي. هذا النمط السام من العلاقات يترك ندوباً عميقة في الروح، تتمثل في تحطم الثقة بالنفس، والشعور المستمر بالتقصير وعقدة الذنب، فضلاً عن العيش في قلق وتوتر دائمين، وتطوير حالة من الاعتمادية العاطفية المرضية التي يصعب الفكاك منها.
لذا، يعتبر الوعي بهذه الديناميكية بمثابة طوق نجاة؛ فإذا وجدتِ نفسكِ دائماً في قفص الاتهام، وتشعرين بأن مشاعرك واحتياجاتك العاطفية لا قيمة لها، وأنكِ تحرقين نفسكِ من أجل إرضاء الطرف الآخر دون جدوى، فهذه ليست مجرد هواجس عابرة، بل هي صفارات إنذار حقيقية تدعوكِ للتوقف فوراً وإعادة التفكير بجدية في الاستمرار، حفاظاً على ما تبقى من سلامتك النفسية.
التعليقات