بعد غياب طويل، فتحت جدران القلعة البيضاء أبوابها من جديد لواحد من أبنائها المخلصين، حيث أسندت الإدارة الفنية للأكاديمية الرئيسية لكرة القدم إلى مدافع الفريق الأسبق، ليشارك زميله السابق في الملاعب إدارة هذا القطاع الحيوي. تجسد هذه الخطوة توجهاً إدارياً واضحاً يعتمد على استثمار خبرات قدامى اللاعبين في التنقيب عن المواهب الكروية الشابة وصقلها، لضمان تغذية فرق الناشئين بعناصر متميزة قادرة على حمل راية النادي مستقبلاً، وهو ما أكدته القيادة الحالية للنادي في تواصلها الأخير معه، مشددة على تقديرها لكل من بذل جهداً وتوج بالبطولات بقميص الفريق.
تأتي هذه العودة بمثابة طوق نجاة بعد سنوات طوال من العزلة القاسية التي كادت أن تعصف بحياة النجم السابق. فقد عاش فترات عصيبة من التهميش والبطالة، مبتعداً عن المشهد الرياضي الذي لم يعرف مهنة سواه منذ طفولته المبكرة. بلغت المعاناة ذروتها حين وجد نفسه وحيداً، مثقلاً بمسؤوليات أسرة كبيرة، لدرجة جعلت والده يتحسر على اختياره لطريق كرة القدم بعدما رأى ابنه عاجزاً عن توفير متطلبات الحياة الأساسية، ومضطراً للعيش على مدخرات بنكية بسيطة إثر تجارب تدريبية قصيرة وغير مكتملة في أندية بعيدة عن الأضواء.
في خضم تلك الأزمات الخانقة، كان اللجوء إلى الخالق هو الملاذ الروحي الوحيد الذي منحه صلابة الصمود. فبينما كان يراقب رفاق دربه من الجيل الذهبي يحققون النجاحات ويتصدرون المشهد، كان يقضي أيامه في مناجاة مستمرة، باحثاً عن مخرج من ضيق الحال ومشاعر الخذلان التي أحاطت به من أقرب الناس. كانت نظرات أبنائه المليئة بالاحتياجات تمثل أقسى اختبار لصبره، ومع ذلك، لم يتسرب اليأس إلى قلبه، وظل متشبثاً بيقين راسخ بأن الغمة ستنجلي وأن العوض قادم لا محالة.
رغم قسوة الابتعاد، لم تُمحَ بصماته من ذاكرة الساحرة المستديرة. فالتاريخ يشهد له بنظرة فاحصة ساهمت يوماً في اكتشاف مهاجمين أصبحوا نجوماً لامعين في سماء الكرة المصرية بعد أن التقطهم من الساحات البسيطة. كما أن روحه القتالية لطالما أسفرت عن أهداف حاسمة قلبت موازين مباريات كبرى في اللحظات الأخيرة، محفورة في وجدان الجماهير بفضل إيمان عميق وثقة لا تتزعزع في التوفيق.
اليوم، تتبدد غيوم التجاهل لتشرق شمس التقدير ورد الاعتبار. فالتفاتة النادي الأخيرة لم تكن مجرد فرصة عمل، بل رسالة طمأنينة أثلجت صدره وأكدت أن الكيانات الكبرى لا تتنكر لمن أسعدوها. وفي قلب هذه الرحلة المليئة بالتقلبات، يبقى الامتنان الأكبر مخصصاً لتلك الجماهير الوفية التي احتفظت بصورته محفورة في ذاكرتها لعقود، فحبهم الصادق وذكرياتهم التي لا تموت كانت وما زالت الثروة الحقيقية التي استند إليها في أحلك أيامه لتجاوز المحنة والعودة إلى بيته الأول.
التعليقات