في خطوة تعكس الوفاء لرموزه التاريخية، أسندت إدارة القلعة البيضاء مؤخراً مهمة الإدارة الفنية لأكاديميتها الرئيسية لكرة القدم إلى لاعبها الأسبق حسام عبد المنعم. جاء هذا التكليف بعد تواصل مباشر من الإدارة العليا للنادي، ليؤكد على منهجية جديدة تهدف إلى احتضان أبناء الكيان الذين سطروا تاريخه بالبطولات. وتندرج هذه الخطوة ضمن رؤية استراتيجية تسعى لاستثمار خبرات النجوم القدامى في التنقيب عن المواهب الشابة وصقلها لدعم قطاع الناشئين، حيث من المقرر أن يباشر النجم المخضرم مهامه جنباً إلى جنب مع زميله أيمن حفني في ذات الموقع.
تأتي هذه الانفراجة المهنية بعد حقبة شديدة القسوة عاشها اللاعب بعيداً عن المستطيل الأخضر، حيث كابد طويلاً مرارة التعطل عن العمل وضيق الحال. فعلى الرغم من حمله لمؤهل أكاديمي في مجال السياحة، إلا أن تكريس حياته منذ طفولته لكرة القدم جعله غير قادر على الانخراط في أي مسار مهني آخر. وقد فرضت عليه هذه العزلة الإجبارية ضغوطاً نفسية ومعيشية هائلة، خاصة مع مسؤوليته عن إعالة أسرة كبيرة، مما اضطره للاعتماد على عائدات مدخرات بنكية محدودة لتسيير أمور حياته اليومية بعد فترات عمل متقطعة وغير مستقرة في تدريب بعض الأندية الإقليمية.
وطوال تلك السنوات العجاف، تجرع النجم السابق قسوة الجحود وتخلي الرفاق. فبمجرد انطفاء أضواء الملاعب، انفض من حوله الأصدقاء وانشغل كل زميل بمسيرته، ليجد نفسه وحيداً في مواجهة أعباء الحياة. وقد بلغ به الشعور بالخذلان حداً جعل والده يتحسر على مسيرته الرياضية بأكملها، متمنياً لو أنه لم يمارس كرة القدم قط، بعدما رأى ابنه عاجزاً عن توفير متطلبات أبنائه الذين كانت نظراتهم تمزق قلبه وتشعره بقلة الحيلة أمام احتياجاتهم.
وفي خضم هذه العتمة، لم يجد اللاعب ملاذاً سوى اللجوء المطلق لخالقه. فقد تحولت صلواته ودموعه في خلواته إلى متنفسه الوحيد للتعبير عن ضيقه وشكواه من تبدل الأحوال. كان ينظر إلى محنته الطويلة وحالة التجاهل التي طالته من مسؤولي الرياضة على أنها اختبار إلهي قاسٍ يتطلب الصبر والجلد. ورغم انسداد الأبواب في وجهه لفترات طويلة، ظل قلبه معلقاً بيقين راسخ بأن العوض الرباني قادم لا محالة، وأن هذا السند الإلهي هو ما يعصمه من الانهيار التام.
المفارقة أن هذا التهميش طال رجلاً له بصمات واضحة في تاريخ ناديه والكرة المصرية؛ فهو من التقطت عيناه موهبة المهاجم البارز مصطفى محمد في بداياته، وهو صاحب الهدف التاريخي المحفور في الأذهان خلال منافسات الكأس أواخر التسعينيات، والذي جاء كثمرة ليقينه التام بالتوفيق. ورغم كل ما كابده، لم يحمل في صدره ضغينة لأحد، بل احتفظ بأمنيات الخير لزملائه القدامى، مؤمناً بأن محبة الجماهير الوفية التي لا تزال تتذكره وتتغنى بأهدافه حتى اليوم، هي الثروة الحقيقية التي تفوق قيمتها كنوز الدنيا، وهي الداعم الأكبر الذي يمنح الرياضي قيمته الحقيقية متجاوزاً كل المحن.
التعليقات