يسود اعتقاد واسع لدى الكثيرين بأن كل ما هو مستمد من الطبيعة خالٍ تمامًا من الأضرار، مما يدفعهم للإقبال على المشروبات العشبية بثقة مطلقة باعتبارها بدائل صحية لا تشوبها شائبة، إلا أن هذه القناعة قد تكون خادعة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالاستعداد للتدخلات الطبية الدقيقة؛ حيث يغيب عن أذهان البعض أن هذه المستخلصات النباتية قد تتحول إلى مصدر تهديد حقيقي داخل غرف العمليات، مسببةً تعقيدات صحية غير متوقعة قد تربك الفريق الطبي وتؤثر سلبًا على سلامة المريض ونتيجة الجراحة.

يكمن جوهر الخطورة في أن العمليات الجراحية تتطلب بيئة فسيولوجية محكمة، حيث يسعى الأطباء لضبط مؤشرات حيوية دقيقة مثل معدلات تجلط الدم ومستويات الضغط لضمان استجابة الجسم للتخدير بشكل آمن، وهنا يأتي دور المركبات الفعالة الموجودة في بعض أنواع الشاي لتعكر صفو هذا التوازن الدقيق؛ إذ تمتلك خصائص كيميائية قد تؤدي لزيادة سيولة الدم بشكل مفرط أو التداخل مع العقاقير المخدرة، مما يرفع احتمالية حدوث نزيف يصعب السيطرة عليه أو اضطرابات مفاجئة في ضربات القلب أثناء الإجراء الجراحي.

على رأس قائمة المحاذير الطبية تأتي المشروبات التي تعمل كمميعات طبيعية للدم، مثل منقوع الزنجبيل والقرفة وعشبة الجنكة بيلوبا، وحتى البابونج عند استهلاكه بكميات مركزة، فبرغم شهرة الزنجبيل بفوائده الهضمية ومقاومته للالتهابات، إلا أن تأثيره المانع للتجلط يجعله عنصرًا غير مرغوب فيه قبل الجراحة، كما أن المشروبات المهدئة كالنعناع أو تلك المنبهة كالشاي الأخضر الغني بالكافيين قد تربك حسابات أطباء التخدير؛ فإما أن تضاعف مفعول المخدر مسببة هبوطًا حادًا في الضغط، أو تقلل من استجابة الجسم له، مما يجعل التحكم في تخدير المريض مهمة أكثر تعقيدًا.

ولتفادي هذه السيناريوهات الخطرة، يوصي المختصون بضرورة التوقف التام عن تناول كافة المشروبات العشبية والمكملات الطبيعية لفترة تتراوح بين أسبوع وأسبوعين قبل الموعد المحدد للجراحة، لمنح الجسم فرصة للتخلص من أي آثار متبقية لهذه المركبات، ومن الضروري ألا يستهين المريض بأي علامات غير معتادة تظهر عليه مثل ظهور الكدمات بسهولة أو الشعور بالدوار، واعتبارها إشارات تستوجب المصارحة الفورية مع الطبيب المعالج، فالشفافية التامة حول كل ما يتم تناوله -حتى لو كان مجرد شاي- هي الخطوة الأولى لضمان مرور العملية الجراحية بسلام وبدون مضاعفات.