قد يثير دهشتك أن تجد نفسك ترتعش طلبًا للدفء في مجلس يرى فيه الآخرون أن الجو معتدل ومريح، وهذه الحالة ليست مجرد شعور عابر أو نوع من التدليل، بل هي في الحقيقة لغة خاصة يستخدمها الجسد ليشير إلى وجود خلل ما، سواء كان صحيًا أو متعلقًا بنمط الحياة. فمن الناحية الفسيولوجية، عندما تنخفض الحرارة، تعمل أجسادنا بذكاء لإعادة توجيه الدم من الأطراف نحو الأعضاء الحيوية كالقلب والدماغ لحمايتها، ولكن إذا كانت هذه الآلية تعمل بحساسية مفرطة، فإن النتيجة تكون شعورًا مستمرًا بالبرودة حتى في الظروف الجوية الطبيعية، وهو ما يستدعي البحث خلف الأسباب الكامنة.

عند الغوص في الأسباب العضوية، نجد أن فقر الدم ونقص مخزون الحديد يتصدران القائمة؛ حيث يؤدي ذلك إلى تراجع كفاءة كريات الدم الحمراء في نقل الأكسجين اللازم لتوليد الطاقة والحرارة، مما يورث الجسم برودة وشحوبًا دائمين. وبالتوازي مع ذلك، تلعب الغدة الدرقية دور “منظم الحرارة” البيولوجي؛ فإن أصابها الكسل، تباطأت عمليات الأيض وانخفض إنتاج الجسم للدفء، وعادة ما يقترن ذلك بأعراض أخرى مثل الخمول وزيادة الوزن وتساقط الشعر. كما أن نقص فيتامينات محددة مثل “بي 12” وفيتامين “د” قد يؤثر سلبًا على الأعصاب والدورة الدموية، مما يعزز الشعور بالبرد.

من زاوية أخرى، تلعب البنية الجسدية وكفاءة الدورة الدموية دورًا محوريًا؛ فالأشخاص الذين يعانون من النحافة المفرطة يفتقدون للنسيج الدهني الذي يعمل كعازل طبيعي يحفظ الحرارة، مما يجعلهم أسرع تأثرًا بالجو المحيط. كذلك، إذا كان تدفق الدم ضعيفًا بسبب انخفاض ضغط الدم، أو التدخين، أو قلة الحركة والجلوس لفترات طويلة، فلن يصل الدم الدافئ بفاعلية إلى نهايات الأطراف كالقدمين واليدين. وتزداد هذه المشكلة وضوحًا مع التقدم في العمر، حيث تتراجع الكتلة العضلية المسؤولة عن توليد جزء كبير من حرارة الجسم، بالإضافة إلى تأثير بعض الأدوية العلاجية كأدوية الضغط والقلب التي قد تسبب البرودة كعرض جانبي.

ولا يمكن إغفال الجانب النفسي والسلوكي، فالتوتر الشديد والقلق المستمر يحفزان الجسم على تضييق الأوعية الدموية كرد فعل دفاعي، مما يقلل من سريان الدفء في الجسم. كما أن اضطرابات النوم والإرهاق المزمن تربك الجهاز العصبي المسؤول عن تنظيم درجة الحرارة الداخلية. ورغم أن الشعور بالبرد يُعد أمرًا طبيعيًا في الأجواء القارسة أو عقب فقدان سريع للوزن، إلا أن استمراره دون مبرر واضح، خاصة إذا رافقه تنميل أو تغيرات في الوزن وضربات القلب، يستوجب استشارة طبية. وللتغلب على هذه الحالة، يُنصح بتعزيز النظام الغذائي بالأطعمة الغنية بالطاقة والحديد، والحرص على ممارسة الرياضة لتنشيط الدورة الدموية، وضبط ساعات النوم، مع اللجوء للمشروبات الساخنة والملابس المناسبة للحفاظ على حرارة الجسم مستقرة.