مع انقضاء الساعات الأولى من الأيام الثلاثة أو الأربعة الأولى لشهر رمضان، قد يواجه الصائمون مفارقة غير متوقعة تتمثل في تزايد حدة الجوع بدلاً من تراجعها، وهو ما يخالف الاعتقاد السائد بأن الجسم يتكيف فورًا مع نظام الصيام. هذه الظاهرة، التي قد تثير استغراب الكثيرين، تعود في أساسها إلى تغيرات فسيولوجية دقيقة تحدث داخل الجسم أثناء محاولته التأقلم مع الحرمان المؤقت من الطعام، وهي مرحلة انتقالية طبيعية لها تفسيراتها العلمية والطبية.

يشير خبراء التغذية إلى أن السبب الجوهري يكمن في آلية حرق الطاقة؛ ففي اليومين الأولين يعتمد الجسم على مخزون الجلوكوز المتوفر، ولكن بحلول اليوم الثالث أو الرابع، تبدأ العمليات الحيوية في التحول نحو استهلاك الدهون كمصدر بديل للطاقة. هذه النقلة النوعية في التمثيل الغذائي تسبب حالة من عدم الاستقرار المؤقت، مما يولد شعورًا قويًا بالجوع، سرعان ما يتلاشى بمجرد أن يعتاد الجسم على هذا النمط الجديد في توليد الطاقة.

إلى جانب ذلك، تلعب “كيمياء الجسم” دورًا محوريًا، حيث يحدث اضطراب مؤقت في توازن الهرمونات المسؤولة عن تنظيم الشهية والشبع، مثل الجريلين واللبتين، نتيجة لتغير مواعيد الوجبات ودورات النوم. هذا التذبذب الهرموني، خاصة مع السهر وقلة الراحة التي تصاحب بداية الشهر، قد يدفع الجسم لإطلاق إشارات جوع كاذبة، وغالبًا ما تتفاقم هذه الحالة إذا كان الصائم يعاني من الجفاف، حيث يخلط الدماغ أحيانًا بين الحاجة إلى الماء والرغبة في تناول الطعام.

من ناحية أخرى، تساهم العادات الغذائية الخاطئة في وجبة السحور في تعقيد الأمر؛ فالاعتماد على النشويات السريعة والسكريات يؤدي إلى ارتفاع وانخفاض مفاجئ في سكر الدم، مما يعجل بالشعور بالجوع في وقت مبكر من النهار. ولتجاوز هذه العقبة، يُنصح بالتركيز على الأطعمة الغنية بالبروتين والألياف التي تهضم ببطء، مع ضرورة التمييز بين الجوع الطبيعي الناتج عن التكيف، وبين أعراض هبوط السكر الحاد التي تستدعي الحذر الطبي، لضمان مرور هذه الفترة الانتقالية بسلام واستقرار.