لم يعد ظهور الشعر الأبيض حكراً على كبار السن فحسب، بل أضحى ظاهرة لافتة تنتشر بين الشباب والشابات في مقتبل العمر، وتحديداً في مرحلتي العشرينات والثلاثينات. وراء هذا التغير المفاجئ في لون الشعر تقف مجموعة متشابكة من العوامل، يأتي في مقدمتها العامل الجيني؛ فغالباً ما يكون الموروث البيولوجي الذي يحمله الفرد من والديه أو أجداده هو المسؤول الأول، حيث تحدد الجينات التوقيت البيولوجي لتوقف الخلايا عن ضخ الصبغة الملونة للشعر.

إلى جانب الوراثة، يلعب نمط الحياة والظروف النفسية دوراً محورياً في هذه العملية، إذ تشير الدلائل إلى أن الضغوط النفسية المستمرة والتوتر المزمن الذي تفرضه الحياة العصرية قد يؤثران سلباً على صحة بصيلات الشعر ويعطلان عمل الخلايا المسؤولة عن التلوين. كما يبرز التدخين كأحد الأعداء الرئيسيين لشباب الشعر، حيث أثبتت الدراسات وجود علاقة وثيقة بين استهلاك التبغ وظهور الشيب قبل سن الثلاثين، نظراً لما يسببه من أضرار صحية عامة تنعكس على حيوية الشعر وقدرته على الاحتفاظ لونه.

من الناحية الطبية البحتة، قد يكون بياض الشعر إنذاراً بوجود خلل صحي داخلي، مثل اضطرابات الغدة الدرقية؛ فزيادة نشاطها أو قصوره يؤدي إلى تقلبات هرمونية تعرقل إنتاج صبغة الميلانين. كذلك، تتسبب أمراض المناعة الذاتية، كالبهاق والثعلبة، في دفع الجهاز المناعي لمهاجمة خلايا الجسم السليمة، بما في ذلك بصيلات الشعر، مما يفقدها لونها الطبيعي، وعادة ما تساعد السيطرة على هذه الحالات الطبية في وقف زحف الشيب وربما استعادة بعض اللون المفقود.

ولا يمكن إغفال الجانب الغذائي، وتحديداً دور فيتامين “ب12” الجوهري؛ فهذا العنصر ضروري لتكوين كريات الدم الحمراء التي تحمل الأكسجين إلى كافة أنسجة الجسم، بما فيها منابت الشعر. وعند انخفاض مستوياته، تضعف تغذية الخلايا وتتضرر قدرتها على تصنيع الصبغة، مما يعجل بظهور الشعر الأبيض. لذا، يُنصح دائماً باللجوء إلى استشارة طبية متخصصة عند ملاحظة الشيب المبكر لاستبعاد أي مسببات مرضية كامنة.

لفهم الآلية الفسيولوجية لهذا التحول، يجب النظر إلى الدور الذي يلعبه “الميلانين”، وهو الصبغة التي تنتجها خلايا متخصصة لتمنح الشعر والجلد والعيون ألوانها المميزة، فضلاً عن دورها في الحماية من أشعة الشمس. يعتمد لون الشعر النهائي على التوازن الدقيق بين نوعين من هذه الصبغة: “الميلانين الأسود” الذي يمنح الدرجات الداكنة، و”الميلانين الأصفر” المسؤول عن الدرجات الشقراء والحمراء، وأي خلل في إنتاج أو توازن هذين النوعين يؤدي مباشرة إلى فقدان الشعر لرونقه اللوني وتحوله إلى الأبيض.