تحتفظ شوارع المدينة المنورة بأسماء رجال حفروا سيرتهم في ذاكرة التاريخ، ومن بينهم قائد فذ عُرف بصولاته وجولاته في ميادين الشجاعة، حيث أعادت التقارير التاريخية إحياء ذكرى هذا الفارس الذي لم يكن مجرد مقاتل عابر، بل رمزاً للفروسية العربية الأصيلة التي خلدت اسمه عبر الأجيال.

تبدأ فصول الحكاية بمشهد مهيب لقوافل تجارية كانت تشق طريقها من بغداد باتجاه الشرق عبر طرق التجارة القديمة، تحرسها ثلة من الجند يتميزون بهيئتهم الرسمية وقبعاتهم الحمراء وشواربهم المفتولة. وفي لحظة مباغتة، تحولت رتابة المسير وهدوء الصحراء إلى ساحة معركة حامية الوطيس، حين انقض فرسان الصحراء كالصقور على القافلة، فدب الذعر وتداخلت الأصوات مع غبار المعركة. وما هي إلا لحظات حتى انقشعت الغمة عن انتصار ساحق لأهل البادية، الذين ساقوا الغنائم صوب ضفاف الفرات، تاركين خلفهم حراس القافلة صرعى، ليعلوا بذلك نجم قائدهم الذي باتت تهابه الباشوات وتنضوي تحت رايته شيوخ القبائل طوعاً وإعجاباً.

لم يكن هذا القائد سوى الدريعي بن شعلان، زعيم قبيلة الرولة، الذي كان نظامه الحياتي يعتمد على الترحال الاستراتيجي بين بلاد الرافدين في الصيف ومنطقة الجوف في الشتاء. وقد وثق المؤرخون والرحالة الغربيون، مثل موزيل، مكانته الرفيعة وشجاعته النادرة التي لا نظير لها. ومع بزوغ فجر الدولة السعودية الأولى واتساع نفوذها في الجزيرة العربية، أدرك الدريعي بحنكته أهمية هذه الوحدة، فلم يتأخر عن اللحاق بركب الدولة، حيث وفد على الإمام عبدالله بن سعود مبايعاً ومعلناً ولاءه، ليغدو بذلك قوة ضاربة وسنداً منيعاً للدولة الفتية.

لقد استحق هذا الزعيم بجدارة لقب “سلطان الشمال” وكان بمثابة السيف المسلول للدولة السعودية الأولى في تلك الأصقاع، ولم تكن شهرته مقتصرة على القوة العسكرية فحسب، بل عُرف بحكمته وعدله الذي شمل الجميع. فقد تحولت مضاربه إلى ملاذ آمن وواحة للإنصاف، عاش في كنفها العرب من مختلف المشارب والتوجهات في أمن وسلام، مما خلد ذكره كواحد من أبرز رجالات عصره الذين جمعوا بين البأس والعدل.