يُعد التدهور البصري المرتبط بالتقدم في العمر واحداً من أبرز التحديات الصحية التي تواجه كبار السن على مستوى العالم، حيث يتسلل هذا الاعتلال المعروف باسم “الضمور البقعي” إلى العين في صمت، وغالباً ما يبدأ دون أن يسبب أي ألم أو علامات تحذيرية واضحة في مراحله المبكرة. ولا يقتصر هذا المرض على كونه مجرد ضعف تقليدي في النظر يمكن تداركه بالنظارات، بل هو إصابة دقيقة تستهدف منطقة “البقعة” الموجودة في منتصف شبكية العين، وهي الجزء الحيوي المسؤول عن توضيح التفاصيل الدقيقة وتمكين الإنسان من الرؤية المركزية الحادة.
عندما يتمكن هذا المرض من العين، يجد المصاب صعوبة متزايدة في أداء مهامه اليومية الاعتيادية التي تتطلب تركيزاً بصرياً، مثل القراءة بوضوح، أو قيادة السيارة، أو حتى التعرف على ملامح وجوه المحيطين به، في حين تظل الرؤية الجانبية أو الطرفية سليمة في أغلب الأحيان. وينقسم هذا الداء عادةً إلى مسارين رئيسيين؛ أحدهما يُعرف بالنوع الجاف، وهو النمط السائد الذي يتسم بالتطور البطيء والتدريجي نتيجة تآكل خلايا الشبكية مع مرور الوقت، والآخر هو النوع الرطب الذي يُصنف كحالة أقل شيوعاً ولكنها أشد خطورة وشراسة، إذ تنجم عن نمو غير طبيعي للأوعية الدموية مما يؤدي إلى تدهور حاد وسريع في القدرة على الإبصار.
وفي سياق البحث عن الأسباب والمسببات، تشير الدراسات العلمية إلى تداخل معقد بين العوامل الوراثية واختلالات الجهاز المناعي التي قد تجعل بعض الأفراد أكثر عرضة للإصابة من غيرهم، فضلاً عن تأثير نمط الحياة المباشر؛ حيث يُسهم التدخين، والسمنة، وارتفاع ضغط الدم بشكل ملحوظ في تسريع وتيرة المرض وزيادة احتمالية حدوثه. ورغم أن الطب الحديث لم يتوصل بعد إلى علاج جذري يعيد البصر الذي فُقد تماماً، إلا أن التدخلات الطبية المتاحة حالياً، مثل الحقن الموضعي داخل العين، تلعب دوراً محورياً في كبح جماح المرض وإبطاء تقدمه، خصوصاً في الحالات الرطبة، بينما قد تساهم بعض الأنظمة الغذائية والمكملات المتخصصة في تأخير التدهور لدى مرضى النوع الجاف، وإن كانت لا تمنع الإصابة بشكل قاطع.
ومع التطور التقني المتسارع في المجال الطبي، بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي تفرض وجودها بقوة، موفرة إمكانيات هائلة لتحليل صور الشبكية بدقة فائقة واكتشاف المرض في مهده قبل تفاقم الأعراض. وأمام هذه المعطيات، يؤكد المتخصصون أن خط الدفاع الأول والأكثر فاعلية يكمن في الالتزام بالفحوصات الدورية المنتظمة بمجرد تخطي سن الخمسين، لا سيما للأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي مع الإصابة، وذلك لضمان التدخل المبكر والحفاظ على ما تبقى من حدة الإبصار وتجنب المضاعفات المستقبلية التي قد تؤثر على جودة الحياة.
التعليقات