شهدت النظرة المجتمعية للرباط المقدس تحولاً جذرياً في الآونة الأخيرة؛ فبعد أن كان الاستمرار في الزواج وابتلاع الأزمات هو القاعدة السائدة قديماً، تبدلت المفاهيم ليصبح الاستقرار النفسي هو المطلب الأول للشركاء. لم يعد الجيل الحالي مستعداً لتكبد عناء الألم أو الاستمرار في روابط مرهقة، مما جعل الانفصال الخيار الأسهل والأسرع للهروب من الخلافات بدلاً من محاولة إصلاح التصدعات تدريجياً. هذا التغير في نمط التفكير يعكس وعياً متزايداً بأهمية الصحة النفسية ورفضاً للبيئات السامة، ولكنه في الوقت ذاته خلق حالة من التعجل في إنهاء العلاقات عند أول عقبة تواجه الطرفين.
ومع اقترابنا من مشارف عام 2026، تعكس الإحصائيات الرسمية صورة مقلقة تحول فيها تفكك الأسرة من مجرد حالات استثنائية إلى تيار مجتمعي جارف. وبحسب قراءة أخصائي الصحة النفسية الدكتور محمد هاني للبيانات الإحصائية الوطنية، فقد تجاوزت حصيلة الانفصالات خلال عام 2024 حاجز المائتين وثلاثة وسبعين ألف حالة، بزيادة فاقت الثلاثة بالمائة عن العام الذي سبقه. وتتجلى فداحة الموقف عند إدراك أن هناك ما يقرب من سبعمائة وخمسين أسرة تتفكك يومياً، بمعدل يتجاوز إحدى وثلاثين حالة في الساعة الواحدة، ليصل المؤشر العام إلى 2.6 لكل ألف نسمة. وتبرز هذه الظاهرة بوضوح أكبر في الأوساط الحضرية مقارنة بالقرى، نتيجة للوتيرة المتسارعة والضغوط الاستثنائية التي تفرضها طبيعة الحياة المعاصرة في المدن.
وعند تتبع الفئات العمرية الأكثر تأثراً بهذا المد، نجد أن السيدات في أواخر العشرينات والرجال في النصف الثاني من الثلاثينات هم الأكثر إقداماً على هذه الخطوة. فهذه المرحلة العمرية تحديداً تتسم ببلوغ الأعباء الحياتية ذروتها، حيث تتشابك متطلبات العمل مع مسؤوليات الرعاية وتربية الأبناء. وتلعب الأعباء المادية المتصاعدة دوراً محورياً في إشعال فتيل الخلافات، إذ يحول التوتر المالي الدائم أتفه النقاشات إلى صدامات حادة يصعب احتواؤها. يتزامن ذلك مع تمكين المرأة وخروجها لسوق العمل، حيث منحها الاستقلال المالي جرأة اتخاذ قرار الرحيل دون خشية العواقب الاقتصادية، مما أعاد تشكيل موازين القوى وبنية اتخاذ القرار داخل الأسرة.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال الأثر العميق للعالم الافتراضي ومنصات التواصل وما تصدره من صور براقة لحيوات مثالية خالية من العيوب، مما يزرع شعوراً دائماً بالحنق وعدم الرضا عن الواقع، ويدفع الشركاء للبحث عن سراب السعادة خارج إطار الزوجية. يتفاقم كل ذلك في ظل افتقار العديد من الأزواج لمهارات الحوار الفعال والعجز عن إدارة الأزمات بحكمة، لتتحول الاختلافات الطبيعية إلى معارك طاحنة تنتهي بقرارات اندفاعية نحو الفراق. وأمام هذا المشهد المعقد، ينقسم المتخصصون في تقييمهم للظاهرة؛ فبينما يعتبرها البعض خطوة ضرورية للنجاة من علاقات استنزافية، يراها آخرون مجرد تملص من المسؤولية ونتيجة لضعف القدرة على التحمل، لتبقى الحقيقة متأرجحة بين ضرورة النجاة بالنفس وهشاشة الإرادة في الحفاظ على الكيان الأسري.
التعليقات