مع مرور قرابة نصف قرن على رحيل أيقونة الغناء المصري عبد الحليم حافظ، الذي ودع عالمنا في أواخر السبعينيات إثر صراع مرير مع تليف الكبد الناجم عن داء البلهارسيا، تطفو على السطح زوايا خفية بعيدة عن أضواء المسارح الرومانسية. فقد حمل “العندليب الأسمر” بين ضلوع شغفاً رياضياً جارفاً وانتماءً لا يتزعزع للقلعة الحمراء، وهو الجانب الذي سلطت الشهادات التاريخية الحديثة الضوء عليه، لتكشف عن مشجع كروي متعصب يختبئ خلف عباءة الفنان الرقيق.

هذا التعلق العميق بالكيان الأهلاوي لم يأتِ من فراغ، بل كان امتداداً طبيعياً لتأثره البالغ بشقيقته “علية”، التي عُرفت بتشجيعها الجنوني للفريق. لم يكن حليم مجرد متابع عابر أو نجم يكتفي بالمشاهدة من بعيد، بل كان يمتلك روح مشجع المدرجات من الدرجة الثالثة؛ حيث اعتاد التواجد في قلب الملاعب، منغمساً في أجواء المباريات، ومطلقاً العنان لحماسه حتى أنه كان يدخل في نوبات غضب واعتراضات علنية على قرارات الحكام.

انخراطه في هذا العالم الرياضي أثمر عن صداقة وطيدة جمعته بأسطورة النادي المايسترو صالح سليم، لتصبح واحدة من أمتن علاقاته الشخصية. غير أن هذه الرابطة مرت بمنعطفات حادة، أبرزها قطيعة دامت لسنوات طويلة بسبب إحياء المطرب لحفل غنائي خاص بنادي الاتحاد السكندري. ورغم هذا الانتماء الصارخ، حاول الفنان في بعض الأحيان التهرب بذكاء من ضريبة التعصب الكروي أمام جماهيره العريضة، وهو ما تجلى في أحد أفلامه الشهيرة حين دمج اسمي قطبي الكرة المصرية في كلمة واحدة ليرضي جميع الأطراف.

لكن بعيداً عن الكاميرات، كانت طقوسه الاحتفالية تكشف عن انحيازه التام. ففي كل مرة ينتصر فيها فريقه على الغريم التقليدي، كان منزله يتحول إلى ساحة احتفال صاخبة، يشاركه فيها الغناء كوكبة من النجوم، على رأسهم الفنانة صباح، مرددين الأهازيج المبهجة احتفاءً بالانتصار. وقد بلغ هذا العشق ذروته عندما شدا بصوته احتفاءً بمرور خمسين عاماً على تأسيس ناديه المفضل، وهي الأغنية التي ورغم ندرة بثها حالياً، تسببت في موجة غضب عارمة بين جماهير الأندية المنافسة آنذاك.

محاولات التشكيك في هوية تلك الأغنية لم تتوقف، إذ طالتها شائعات تزعم أنها أُهديت لنادٍ عربي يحمل نفس الاسم، استناداً إلى جنسية الشاعر الذي كتب كلماتها. إلا أن الأبيات التي تغنت صراحة بمصر وأبنائها ولغة الضاد كانت كفيلة بإغلاق باب الجدل إلى الأبد. وفي نهاية المطاف، تخلى حليم عن أي دبلوماسية خلال لقاء تلفزيوني شهير مع الإعلامي سمير صبري، ليعلنها صراحة وبكل فخر أنه مشجع أصيل، مقدماً في الوقت ذاته قراءة فنية دقيقة لمستوى فريقه، وتوقعاً صائباً بحصدهم للقب الدوري بناءً على قوة دكة البدلاء التي كانت تضاهي التشكيلة الأساسية.