لا تخلو حياة أي منا من لحظات الانكسار والشعور بالأسى، سواء كان ذلك نتاجاً لوداع أحبة، أو تعثر في المسار المهني، أو حتى بسبب تلك التراكمات اليومية الصغيرة التي تثقل الكاهل. هذه المشاعر، رغم قسوتها، تثير تساؤلاً جوهرياً يتردد في أذهان الكثيرين حول الحد الفاصل بين الاستجابة العاطفية الطبيعية وبين الانزلاق في نفق الاضطراب النفسي العميق المعروف بالاكتئاب، ومتى يستلزم الأمر تدخلاً علاجياً لإنقاذ الموقف.
من الضروري إدراك أن الألم النفسي هو رد فعل بشري فطري وصحي تجاه الصدمات والخسائر؛ فهو بمثابة آلية دفاعية تساعد الروح على استيعاب الفقد وإعادة التوازن. ورغم أن نوبات الحزن قد تمتد لفترات متفاوتة تبعاً لحجم المصاب، إلا أنها تتميز بكونها مرتبطة بحدث محدد ومعروف، وتأتي عادةً على شكل موجات؛ حيث تتخلل لحظات الألم فترات من الهدوء والقدرة على التنفس والابتسام. كما أن هذا الشعور يتلاشى تدريجياً مع مرور الأيام، والأهم من ذلك أنه لا يسلب الإنسان احترامه لذاته أو ينسف شعوره بقيمته، بل يظل الفرد قادراً على مواصلة حياته رغم الغصة التي يشعر بها.
في المقابل، يختلف الاكتئاب جذرياً؛ فهو ليس مجرد موجة حزن عابرة، بل حالة مرضية معقدة تلقي بظلالها الثقيلة على كيمياء الدماغ، وطريقة التفكير، والجسد معاً. يتسم هذا الاضطراب بشعور مستمر وثابت بالفراغ والخواء الداخلي لا يتأثر بتحسن الظروف المحيطة، ويفقد المرء معه لذة الاستمتاع بالأشياء التي كانت تبهجه سابقاً، وهو ما يعرف بـ “انعدام التلذذ”. وبينما يرى الشخص الحزين نفسه متألماً، يرى المكتئب نفسه بلا قيمة، مصحوباً بأعراض جسدية واضحة كاضطرابات النوم سواء بالأرق أو النوم المفرط، وتغيرات حادة في الشهية والوزن، وثقل دائم يعيقه عن اتخاذ أبسط القرارات، وقد يصل الأمر في الحالات المتقدمة إلى سيطرة الأفكار السوداوية واليأس التام من المستقبل.
والجدير بالذكر أن الاكتئاب قد يمارس لعبة التخفي، فلا يظهر دائماً بصورة دموع أو شكوى نفسية صريحة، بل قد يتجسد في كثير من الأحيان -وخاصة لدى النساء- في صورة أوجاع جسدية غامضة كالصداع المزمن، وآلام المعدة والقولون، والإرهاق الذي لا يزول بالراحة، وهو ما يصطلح عليه بـ “الاكتئاب المقنع”. هنا يترجم الجسد ما يعجز اللسان عن البوح به، ويصبح الألم العضوي صرخة استغاثة من ألم نفسي مكبوت.
لذا، يصبح طلب العون المهني ضرورة ملحة وليست رفاهية عندما يتجاوز الشعور بالانطفاء أسبوعين متواصلين دون أي بادرة تحسن، أو عندما يؤدي إلى العزلة التامة وتعطل الوظائف الحياتية والاجتماعية. إن اللجوء للمختصين النفسيين، بجانب الحفاظ على نمط حياة صحي يشمل النوم المنتظم والحركة البدنية ومشاركة المشاعر مع دائرة ثقة مقربة، يمثل خطوات شجاعة وواعية نحو استعادة التوازن النفسي ومنع تحول الأحزان العابرة إلى قيود طويلة الأمد.
التعليقات