شهدت الملاعب المصرية قبل أكثر من عقد مواجهة استثنائية لا تُمحى من الذاكرة، حين التقى قطبا الكرة في أمسية تجاوزت حدود التنافس التقليدي لتصبح معركة إثبات وجود على البساط الأخضر. كان ذلك اللقاء، الذي وافق القمة المئوية في تاريخ الدوري، يمثل صداماً نارياً بين كتيبة حمراء تعيش أزهى عصورها وتكتظ بالنجوم، وبين فريق أبيض استعاد بريقه وشراسته القتالية تحت قيادة فنية حماسية، ساعياً لاستعادة الهيبة المفقودة وقلب الموازين.
لم تكن تلك المواجهة لتعترف بمرحلة جس النبض المعتادة، فقد باغت الفرسان البيض خصمهم بهجوم كاسح وشجاعة هجومية أسفرت عن هدف مبكر بقدم أحمد جعفر، معلناً عن رغبة جامحة في الفوز. غير أن الرد جاء خاطفاً من هداف الأهلي البارع عماد متعب ليعيد الأمور إلى نصابها سريعاً. واستمرت الإثارة سجالاً يحبس الأنفاس، فما إن نجح الجناح الموهوب حسين ياسر المحمدي في خطف التقدم للزمالك مرة أخرى، حتى أبى “القناص” متعب أن ينتهي الشوط الأول إلا والنتيجة متعادلة، مسجلاً هدفاً رأسياً قاتلاً أحبط محاولات الأبيض للهروب بالنتيجة قبل الاستراحة.
ومع انطلاقة النصف الثاني من المباراة، بلغت الإثارة ذروتها وحضرت المهارات الفردية لتصنع الفارق، حين أطلق محمد عبد الشافي قذيفة مدوية سكنت الشباك، مانحاً فريقه الأسبقية للمرة الثالثة بنتيجة ثلاثة أهداف لهدفين. في تلك اللحظات، ساد الاعتقاد بأن العقدة قد حُلّت أخيراً، وبدأت نسائم الاحتفال تداعب خيال مدرجات الجانب الأبيض مع اقتراب صافرة النهاية، بينما عاش أنصار الفريق الأحمر دقائق ثقيلة وهم يرقبون الوقت يتبدد، إلا أن تقاليد الكرة المصرية علمتنا أن الاستسلام ليس مدرجاً في قاموس أصحاب القمصان الحمراء حتى الرمق الأخير.
وفي الوقت الذي تأهب فيه الجميع لإسدال الستار على اللقاء وإعلان فوز الزمالك، ظهرت شخصية البطل في الوقت البديل؛ حيث وصلت الكرة إلى أسطورة الفريق محمد أبو تريكة على مشارف المنطقة المحرمة. وبلمسة خبيرة وهدوء يُحسد عليه وسط عاصفة من التوتر، أرسل تسديدة أرضية دقيقة استقرت في الزاوية الصعبة لمرمى عبد الواحد السيد، لتتحول المدرجات إلى بركان من المشاعر المتناقضة بين ذهول أبيض وفرحة جنونية حمراء. انتهت تلك الملحمة بالتعادل الرقمي بثلاثة أهداف لكل فريق، لكنها خُلدت في سجلات التاريخ كواحدة من أروع وأشرس مباريات القمة التي عاشتها الجماهير المصرية.
التعليقات