يتحدث الجسد لغة صامتة تظهر آثارها أحيانًا على الجلد، ولعل تلك التصبغات الزرقاء أو الأرجوانية التي تبرز فجأة تعد إحدى هذه الرسائل التي تحتمل تأويلات متعددة. ففي كثير من الأحيان، تكون هذه العلامات مجرد رد فعل طبيعي وعابر لا يدعو للقلق، ناتجاً عن ارتطام خفيف نسيناه في غمرة الانشغال اليومي، أو إجهاد بدني أدى لتمزق شعيرات دموية دقيقة، وعادة ما تتلاشى هذه الآثار وتختفي تمامًا في غضون أسبوع أو أسبوعين، لا سيما إذا كانت صغيرة الحجم ومحدودة في مناطق معتادة كالساقين أو الذراعين، ودون أن تسبب ألمًا يُذكر.

على الجانب الآخر، تختلف المعايير تمامًا عندما تظهر هذه الآثار دون أي مبرر واضح أو سابق إنذار، حيث يتحول الأمر من عرض بسيط إلى إشارة تستوجب التوقف والتحليل. فظهور التصبغات الجلدية بشكل متكرر وتلقائي دون التعرض لأي صدمة قد يخفي وراءه مشكلات صحية أعمق، مثل اضطرابات في وظائف التجلط، أو تراجع في أعداد الصفائح الدموية، وربما خلل في أداء الكبد أو نخاع العظم، مما يجعل تجاهل الأمر والمراقبة السلبية خيارًا غير صائب.

لا يتوقف الأمر عند سبب الظهور فحسب، بل تمتد المؤشرات لتشمل طبيعة الكدمة نفسها؛ فالعلامات التي تتسارع في النمو والانتشار، أو تلك التي يصاحبها ألم مبرح وتورم ملحوظ، تعد علامات تحذيرية واضحة. كذلك، فإن تحول لون الجلد إلى درجات داكنة للغاية بشكل غير مألوف قد يعكس وجود نزيف داخلي أعمق أو مشكلة وعائية تتطلب تدخلاً سريعاً. وتزداد حدة الموقف إذا تزامنت هذه الظواهر الجلدية مع أعراض نزفية أخرى، مثل الرعاف المتكرر، أو نزيف اللثة، أو ملاحظة دماء في الإخراج، وحتى غزارة الدورة الشهرية بشكل غير معتاد.

علاوة على ذلك، يرتبط ظهور الكدمات أحيانًا بحالة الجسم العامة، فإذا رافقها شعور بالإنهاك المستمر دون جهد، أو فقدان وزن غير مبرر، مع شحوب في الوجه ودوار، فقد تكون دلالة على فقر دم حاد، أو نقص حرج في الفيتامينات الأساسية مثل فيتامين “سي” أو “ك”، أو حتى أمراض دموية ومناعية. كما يجب عدم إغفال تأثير الأدوية، حيث ترفع بعض العقاقير مثل مسيلات الدم والكورتيزون ومضادات الاكتئاب من احتمالية حدوث ذلك، خاصة عند البدء في تناولها حديثًا.

يجب التعامل بحذر خاص مع الفئات العمرية الحساسة، فالأمر لدى كبار السن قد يعود لرقّة الأوعية الدموية وسوء التغذية، بينما عند الأطفال يستدعي فحصًا دقيقًا لاستبعاد الأمراض الوراثية أو الدموية. ولحسم الجدل والوصول لبر الأمان، يظل الخيار الأمثل عند تكرار هذه الحالات هو التوجه لإجراء الفحوصات المخبرية الشاملة، التي تتضمن صورة الدم الكاملة، واختبارات التجلط، وفحص وظائف الأعضاء، لتشخيص السبب الجذري وعلاجه بفعالية.