لطالما ارتبطت فكرة العناية بصحة القلب وإطالة العمر في أذهاننا بضرورة الالتزام بجداول رياضية شاقة وطويلة، إلا أن الأبحاث العلمية الحديثة بدأت تغير هذا المفهوم جذرياً، مشيرة إلى أن القليل من الجهد قد يأتي بفوائد عظيمة. فقد كشفت نتائج بحثية نشرتها دورية “ذا لانسيت” المرموقة أن مجرد المواظبة على الحركة لخمس دقائق إضافية كل يوم قد تكون كفيلة بخفض احتمالات الوفاة المبكرة بنسبة ملموسة بين عموم الناس، مما يمنح أملاً جديداً لمن تمنعهم ظروفهم من ممارسة الرياضة بشكل مكثف.
واستندت هذه النتائج المثيرة إلى تحليل دقيق لبيانات شملت أكثر من 135 ألف شخص، بمتوسط عمري تجاوز الستين عاماً، موزعين على دول عدة منها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسويد والنرويج. وما ميز هذه التجربة هو استخدام تقنيات تكنولوجية متطورة لرصد الحركة بدقة بدلاً من الاعتماد على الاستبيانات التقليدية، مع التأكد من خلو المشاركين من الأمراض المزمنة عند بدء التجربة لضمان دقة النتائج.
أوضحت الأرقام المستخلصة أن الانتقال من حالة الخمول التام إلى ممارسة نشاط بدني معتدل، ولو لدقيقتين فقط، ساهم في تقليص مخاطر الوفاة بنسبة 6%. كما وجد الباحثون علاقة طردية واضحة بين الحركة والصحة؛ فاستبدال نصف ساعة من وقت الجلوس بنشاط حركي يمكن أن يمنع نسبة معتبرة من الوفيات حول العالم. حتى أولئك الذين تضطرهم ظروفهم للجلوس لفترات طويلة تتجاوز 11 ساعة، أظهروا تحسناً ملحوظاً وانخفاضاً في المخاطر الصحية بمجرد تخصيص ثلاثين دقيقة للحركة، وتضاعفت الفائدة لتصل إلى خفض الخطر لربع النسبة عند زيادة النشاط لساعة كاملة.
وفي سياق متصل، أظهرت المتابعة المستمرة للمشاركين لسنوات عديدة أن كسر روتين الجلوس الطويل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتحسن فرص البقاء على قيد الحياة. ويؤكد الخبراء أن هذه الأهداف الصغيرة تبدو أكثر واقعية وقابلية للتطبيق في حياة الناس اليومية مقارنة بالأهداف الكبيرة التي قد يصعب الالتزام بها، مما يجعل مكافحة “الخمول البدني” أمراً ممكناً، خاصة وأن قلة الحركة تُصنف ضمن الأسباب الرئيسية للوفاة عالمياً، وتكلف الأنظمة الصحية، كما هو الحال في بريطانيا، مبالغ طائلة سنوياً لعلاج تداعياتها.
وقد لاقت هذه الاكتشافات ترحيباً واسعاً من الأوساط الأكاديمية، حيث أشار متخصصون في المعلوماتية الطبية الحيوية بجامعة أكسفورد إلى أن هذه الدراسة تقدم رسالة توعوية عملية للغاية؛ ففكرة أن 5 دقائق من النشاط قد تمنع 10% من الوفيات المبكرة تجعل الحفاظ على الصحة في متناول الجميع. ورغم أن التوصيات العالمية لا تزال تحث على ممارسة 150 دقيقة من النشاط أسبوعياً للوصول إلى اللياقة المثلى، إلا أن الرسالة الأهم تظل أن أي قدر من الحركة، مهما كان بسيطاً مثل صعود الدرج أو المشي السريع، يُحدث فارقاً جوهرياً في صحة الإنسان.
التعليقات