يرى الباحث المختص في الشؤون الإيرانية، الدكتور نبيل العتوم، في سياق تحليل قدمه عبر شاشة “العربية”، أن طهران اعتمدت لعقود على فلسفة جيوسياسية معقدة لتحصين أراضيها ونقل صراعاتها إلى الخارج. هذه الفلسفة استندت بشكل رئيسي إلى عقيدة “أم القرى”، التي تمنح العاصمة الإيرانية مركزية القيادة للعالم الإسلامي، مما يوجب حمايتها بكل السبل الممكنة. ولتحقيق هذه الغاية، صاغ صانع القرار الإيراني خطوطاً دفاعية متقدمة تهدف إلى خوض المواجهات العسكرية بالوكالة بعيداً عن العمق الإيراني، غير أن هذا السياج الأمني الإقليمي بدأ يتهاوى بشكل متسارع مؤخراً ليفقد النظام أبرز أوراقه الاستراتيجية.

وقد هندست القيادة الإيرانية هذه الحواجز الدفاعية عبر مستويات متعددة، مستغلة التحولات الإقليمية الكبرى كحالة الفوضى التي تلت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والذي شكل مكسباً جيوسياسياً مجانياً لطهران، ليصبح الساحة العراقية أول الجدران في هذه المنظومة. وتوالت بعد ذلك مساعي استقطاب الأقليات المذهبية وتأسيس شبكات مسلحة تدين بالولاء المطلق للمشروع الإيراني وتتمركز في بؤر التوتر كسوريا ولبنان. ولم تكتفِ طهران بهذا البعد، بل مدت جسور الدعم والتسليح لجماعات وحركات سنية، كحماس والجهاد الإسلامي، ضمن سياسة احتواء تهدف إلى استخدام كافة هذه التشكيلات كمتاريس أمامية تتلقى الضربات نيابة عن النظام المركزي، إلا أن هذه الشبكة المعقدة من الوكلاء تعرضت مؤخراً لانتكاسات قاصمة أفقدتها فاعليتها كدرع حامٍ.

وبموازاة تلك المصدات الميدانية، عوّلت طهران بشكل كبير على ترسانة عسكرية وتقنية ضخمة لفرض قوة ردع صلبة، شملت طموحاتها النووية، وأسطولها من الطائرات المسيرة، وبرنامجها الفضائي الذي يشكل غطاءً موازياً لتطوير الصواريخ بعيدة المدى. إلا أن هذه الآلة العسكرية تلقت هي الأخرى ضربات موجعة شلت حركتها، إذ تشير التقديرات إلى فقدان النظام لما يزيد عن سبعين بالمائة من قوته الصاروخية. هذا التهاوي المزدوج للخطوط الدفاعية الخارجية وقوى الردع الداخلية، يضع القيادة الإيرانية اليوم أمام تهديد وجودي عميق يطال أمنها القومي، ويُنذر بدخول البلاد في مسار حرج قد يفضي إلى تصدع شامل في الهيكل السياسي ومؤسسات الدولة.