إن استعراض تجارب الشعوب التي نهضت من الركام يقودنا تلقائياً إلى التأمل في التجربة اليابانية الفريدة عقب الحرب العالمية الثانية، وهي تجربة يراها الكثيرون خارطة طريق يمكن لإيران الاستفادة منها لرسم ملامح مستقبل مختلف. لقد أدركت اليابان، وهي مثقلة بجراح الهزيمة والدمار، أن طريق استعادة المكانة لا يمر عبر التوسع العسكري، بل من خلال تسخير كافة الجهود الوطنية لإعادة الإعمار والاستثمار في العقول. وبفضل هذا التوجه الاستراتيجي نحو التعليم والابتكار التقني، نجحت طوكيو في وقت قياسي في التحول من دولة محطمة إلى ركيزة أساسية في الاقتصاد العالمي، مقدمةً بذلك برهاناً ساطعاً على أن القوة الحقيقية في عصرنا الراهن تنبع من قاعات الجامعات وخطوط الإنتاج، لا من تكديس الأسلحة وخوض الحروب.
وفي ضوء ذلك، تلوح في الأفق فرصة مماثلة أمام طهران إذا ما قررت إعادة ترتيب أولوياتها الوطنية، بحيث تتجه الموارد نحو التنمية المستدامة والشراكة الفاعلة مع المجتمع الدولي بدلاً من الانخراط في الصراعات الإقليمية. إلا أن تحقيق هذه النقلة النوعية لا يقتصر فقط على القرارات الاقتصادية، بل يتطلب في جوهره تحديثاً لبنية النظام السياسي وآليات اتخاذ القرار. فالدولة الحديثة القادرة على المنافسة والازدهار هي تلك التي تقوم على مؤسسات مدنية راسخة، تتسم بالشفافية وتخضع للمساءلة، وتعتمد الكفاءة معياراً للإدارة.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، تتعالى الأصوات الداعية إلى ضرورة إعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة، بحيث يظل الدور الديني في إطاره الروحي والإرشادي السامي، بينما تُوكل مهام إدارة الشأن العام والسياسة إلى مؤسسات مدنية منتخبة تعبر عن الإرادة الشعبية. ويُعتقد أن هذا الفصل الوظيفي هو المفتاح الرئيس لكسر طوق العزلة، إذ سيمكن البلاد من الانفتاح على العالم والتركيز بشكل كلي على بناء اقتصاد قوي ومستقر، بعيداً عن دوامة الأزمات السياسية المستمرة.
التعليقات