مع دخول شهر الصيام، تنقلب العادات اليومية رأساً على عقب، لا سيما تلك المتعلقة بأوقات الراحة وتناول الوجبات. فبعد ساعات طويلة من الانقطاع عن الطعام والشراب، تجتاح الكثيرين موجة عارمة من الخمول بمجرد الانتهاء من مائدة الإفطار، مما يدفعهم للاستسلام للنعاس الفوري. هذا الميل الشائع يطرح تساؤلاً هاماً حول مدى أمان هذه العادة وما إذا كانت تشكل تهديداً خفياً لسلامة أجسادنا.

في هذا السياق، يحذر الدكتور مصعب إبراهيم، المتخصص في أمراض الكلى والجهاز الهضمي، من العواقب الوخيمة للاستلقاء بمجرد الانتهاء من تناول الطعام، وتحديداً إذا كانت المائدة زاخرة بالأصناف الدسمة. فالمعدة تتطلب وتيرة حركية معينة لتفرز عصاراتها بكفاءة وتنجز مهمتها، بينما يؤدي الركون إلى السبات إلى كبح هذه الديناميكية الطبيعية. ونتيجة لذلك، يجد المرء نفسه فريسة لاضطرابات مزعجة تشمل الشعور بالامتلاء المفرط، وتراكم الغازات، فضلاً عن خطر ارتداد الأحماض المعوية نحو الحلق والصدر، وهي حالة تتفاقم بشدة عند اتخاذ وضعية التمدد الأفقي.

وخلافاً للاعتقاد السائد بأن إغماض العينين بعد الأكل يمنح البدن طاقة متجددة، فإن الواقع يثبت العكس تماماً. فتوجه الحصة الأكبر من التروية الدموية نحو الأمعاء للتعامل مع الكميات المستهلكة يحرم الدماغ من التدفق الدموي المعتاد، مما يضاعف من الإحساس بالإنهاك وضعف التركيز عند الاستيقاظ. ولا يتوقف الضرر عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل تراكم الكيلوجرامات الزائدة؛ فغياب أي مجهود بدني يعطل آلية حرق السعرات، لتتحول تلك الوجبات الثقيلة تدريجياً إلى دهون مخزنة تتكدس يوماً بعد يوم طيلة أيام الشهر الفضيل.

وللخروج من هذه الدائرة السلبية، يوصي الخبراء بتبني استراتيجيات غذائية أكثر حكمة. يبدأ ذلك بتقسيم الوجبة الرمضانية، بحيث تُستهل بحبات من التمر والسوائل الدافئة كالمرق، قبل أخذ هدنة قصيرة تمهد لاستقبال الطبق الرئيسي، مع ضرورة الابتعاد عن المقليات البطيئة في هضمها. ولتعزيز كفاءة الأيض، يُعد التجول بخطوات هادئة لربع ساعة بمثابة وصفة سحرية لتنشيط الدورة الدموية. أما بالنسبة للباحثين عن الراحة، فإن القاعدة الذهبية تقتضي التريث لساعتين على الأقل قبل التوجه إلى الفراش، مع الحرص على أن تكون وجبة ما قبل الفجر خفيفة ومغذية لضمان الحفاظ على الحيوية طوال نهار الصوم.