بينما تكتسي الأيام الرمضانية بطابع الدفء وتزدحم فيها التفاصيل بمشاهد الألفة واللمّات العائلية، يجد البعض أنفسهم أسرى لمشاعر مغايرة تمامًا، حيث تتسلل إليهم أحاسيس العزلة التي قد تبلغ ذروتها في هذا التوقيت من العام أكثر من غيره. وتنشأ هذه المفارقة الشعورية عندما تصطدم الذاكرة المحملة بصور الماضي وموائد الإفطار المزدحمة، بواقع حالي يغيب عنه الأحباب، سواء كان ذلك بسبب مسافات الغربة، أو فقدان عزيز، أو تقلبات الحياة التي تفرض نمطًا من الانفراد، مما يطرح تساؤلات ملحة حول أسباب تعاظم هذا الألم النفسي في شهر الرحمة وكيفية إدارته بوعي.
وفي هذا السياق، يلعب الحنين دور المحرك الأساسي لهذه المشاعر؛ إذ يرتبط الشهر الفضيل في الوعي الجماعي بذكريات الطفولة وصلة الرحم، مما يجعل غياب هذا الإطار الاجتماعي يخلق فجوة عاطفية عميقة، خاصة لدى المغتربين أو من يعيشون بعيدًا عن ذويهم. ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه المنصات الرقمية في تعميق هذا الجرح، حيث تتحول شاشات الهواتف إلى نوافذ تطل على احتفالات الآخرين وتجمعاتهم، مما يذكي نيران المقارنة ويعزز شعور الفرد بأنه الوحيد الذي يعيش خارج دائرة الفرح الجماعي.
ومن منظور نفسي، تؤكد الخبيرة هبة شمندي أن هذه المشاعر لا تعني بالضرورة ضعفًا في الوازع الديني أو نكرانًا للنعم، بل هي رد فعل بشري طبيعي نابع من الحاجة الفطرية للانتماء. فالإنسان مخلوق اجتماعي يميل للتفاعل، وحينما تنحسر الروابط في مواسم مخصصة للتلاقي، يظهر الألم النفسي. وتكمن الخطورة الحقيقية ليس في الشعور بالوحدة بحد ذاته، بل في الاستسلام له واختيار الانعزال التام، وهو ما قد يوقع فئات معينة – كالطلاب المغتربين، وكبار السن، ومن مروا بتجارب فقد حديثة – في فخ الحزن المتواصل الذي يتطلب تعاملًا حذرًا ودعمًا حقيقيًا.
وللخروج من هذه الدائرة المغلقة، يكمن الحل في تغيير زاوية النظر والتحرك بخطوات عملية، تبدأ بالتصالح مع النفس والاعتراف بهذه المشاعر دون خجل أو جلد للذات، فالتظاهر بعكس الواقع لا يزيد الأمر إلا سوءًا. يلي ذلك ضرورة كسر حاجز الصمت عبر المبادرة بالتواصل، وعدم انتظار الدعوات من الآخرين؛ فقد تكون مكالمة هاتفية أو محادثة فيديو كافية لترميم جزء من الروح. كما يُنصح بملء الفراغ، الذي يعد بيئة خصبة للأفكار السلبية، من خلال وضع جدول يومي منظم يوازن بين العبادات، وممارسة الرياضة، والانخراط في العمل الخيري أو التطوعي الذي يمنح الفرد شعورًا عميقًا بقيمته ودوره في المجتمع.
وفي الختام، يجب الانتباه إلى الخط الفاصل بين الحزن العابر والاكتئاب الذي يعطل وظائف الحياة اليومية كالنوم والأكل، حيث يستدعي الأخير تدخلًا من أهل الاختصاص. ورغم قسوة الوحدة، فإن التعامل الحكيم معها قد يحولها إلى منحة، فتصبح فرصة نادرة لإعادة اكتشاف الذات، وترتيب الأولويات، واستثمار السكينة والهدوء لتحقيق نمو روحي ونفسي، ليصبح رمضان شهرًا للمصالحة مع النفس كما هو شهر للتواصل مع الآخرين.
التعليقات