يشهد المجال الطبي حاليًا قفزة نوعية في أساليب التصدي للأمراض التنفسية، حيث نجحت جهود بحثية مكثفة في تطوير وسيلة دفاعية مبتكرة لمواجهة فيروس الإنفلونزا وتطوراته المستمرة. تأتي هذه الخطوة في وقت لا يزال فيه العالم يعاني من فقدان مئات الآلاف من الأرواح سنويًا جراء هذا المرض، وذلك على الرغم من توفر اللقاحات التقليدية التي قد تفقد فاعليتها أمام السلالات المتحورة التي تظهر بين الحين والآخر، مما يجعل الحاجة ملحة لإيجاد بدائل أكثر كفاءة وقدرة على التكيف مع المتغيرات الوبائية.
وفي إطار البحث عن حلول جذرية، ركز العلماء في كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد على تجاوز العقبات التي تواجه العلاجات القائمة على الحقن، والتي غالبًا ما تعجز عن توفير حماية مناعية كافية في الأغشية المخاطية، وهي خط الدفاع الأول للجسم. وقد أثمرت هذه الجهود عن ابتكار تركيبة تعتمد على الأجسام المضادة، وتحديدًا النوع المعروف بـ “CR9114″، ولكن بآلية عمل مختلفة تعتمد على التقطير الأنفي بدلاً من الحقن المباشر في الدم.
وقد أظهرت التجارب السريرية الأولية نتائج واعدة للغاية، حيث تبين أن استخدام هذا الرذاذ لدى المتطوعين يعمل كدرع فوري؛ إذ تقوم الجزيئات المضادة بالارتباط بالفيروس فور دخوله الممرات الأنفية وتعمل على تحييده تمامًا ومنعه من الانتشار أو إحداث العدوى. ولم تقتصر النتائج الإيجابية على الفعالية فحسب، بل أكدت الدراسات التي شملت أكثر من مائة وأربعين مشاركًا أن هذا الأسلوب العلاجي يتمتع بمعدلات أمان عالية وتحمل جيد من قبل الجسم بمختلف الجرعات المستخدمة.
وتشير البيانات المنشورة في الدوريات العلمية المتخصصة إلى أن هذا الابتكار يمثل حجر أساس لمرحلة جديدة من الوقاية المناعية. فبفضل قدرته على شل حركة الفيروس عند بوابة الدخول للجسم، يفتح هذا البخاخ المطور آفاقًا رحبة للسيطرة على تفشي العدوى الموسمية، ويقدم أملاً حقيقيًا في تعزيز الصحة العامة وتقليل المخاطر المرتبطة بالأوبئة التنفسية في المستقبل القريب.
التعليقات