تتناغم النفحات الإيمانية لهذا الشهر الفضيل مع رحلة يومية نغوص فيها عبر صفحات التاريخ المجيد لكرة القدم المصرية، حيث تزخر مسيرة “الفراعنة” بملاحم رياضية تبرهن على أن العزيمة قادرة على قهر المستحيل. وتتجاوز هذه الحكايات مجرد الركض خلف الكرة، لتكشف لنا عن إرث عميق من التحدي والإصرار الذي فرض هيمنة مصر على القارة السمراء والمحافل الدولية. سنرافقكم في هذه الأيام المباركة لنستحضر معاً ومضات لا تُنسى، سواء كانت بطولات وُلدت من رحم المعاناة، أو خططاً عبقرية لمدربين صنعوا الفارق، أو لحظات استثنائية أسعدت قلوب الملايين، لنستمد منها طاقة إيجابية ودروساً قيّمة تعكس روح الإرادة والتفاني.
ومن بين تلك الحكايات الخالدة، تبرز قصة استثنائية بطلها وافد من بلاد الإغريق وجد في أرض الكنانة وطناً له. ففي مقتبل العقد السادس من القرن الماضي، قادت الأقدار الحارس اليوناني “براسكوس تيرميريتيس” إلى مدينة الإسماعيلية ليدافع عن ألوان نادي القناة. وهناك، وتحت إشراف الخبير الفرنسي “بول بلان”، أظهر هذا الشاب براعة فائقة في حماية شباكه، ليصبح درعاً حصيناً قاد فريقه بكل جدارة لاقتحام مصاف أندية الدرجة الممتازة خلال موسم 1953-1954، مسطراً بذلك أولى خطواته نحو المجد على الأراضي المصرية.
لم تقتصر رحلة هذا الحارس الفذ على الجانب الرياضي فحسب، بل امتدت لتشمل اندماجاً روحياً واجتماعياً كاملاً مع تفاصيل الحياة اليومية للمصريين. هذا العشق المتبادل تُوّج بخطوة تاريخية عام 1954 عندما نال شرف الحصول على الجنسية المصرية، ليتحول رسمياً من محترف أجنبي إلى ابن بار من أبناء النيل. وسرعان ما تُرجم هذا الانتماء على أرض الواقع، حيث نال شرف تمثيل المنتخب الوطني والمشاركة كحارس أساسي للفراعنة في منافسات دورة ألعاب البحر المتوسط التي أقيمت في عام 1957.
وجاءت لحظة الذروة في مسيرة هذا النجم بظهوره اللافت خلال النسخة الافتتاحية لكأس الأمم الأفريقية التي احتضنتها الملاعب السودانية عام 1957. في تلك البطولة، شكل “براسكوس” سداً منيعاً أمام هجمات الخصوم، وتجلى ذلك بوضوح خلال المواجهة الختامية أمام المنتخب الإثيوبي. فبينما كان يذود عن مرماه ببسالة وفدائية، كان الأسطورة “محمد دياب العطار” يُمطر شباك المنافس بأربعة أهداف تاريخية، ليطلق الحكم صافرة النهاية معلناً تتويج الفراعنة باللقب القاري الأول، في مشهد مهيب شهد معانقة حارس من أصول يونانية للكأس الأفريقية بقلب وعقل مصري خالص.
التعليقات