عاشت ولاية هاواي الأمريكية يوم الاثنين الماضي لحظات استثنائية مع تجدد ثوران أحد أبرز معالمها الطبيعية، حيث رسمت الحمم الملتهبة مشهدًا مهيبًا وهي تنطلق نحو السماء بارتفاعات شاهقة ناهزت 460 مترًا. ولم يتوقف المشهد عند تدفق الصهارة فحسب، بل رافقته سحب داكنة وعملاقة من الغازات والأبخرة تصاعدت لتلامس طبقات الجو العليا على بعد ستة كيلومترات، في عرض طبيعي يجمع بين الرهبة والجمال، مسلطًا الضوء مجددًا على القوة الكامنة في باطن الأرض.
وتأتي هذه التطورات كجزء من نشاط بركاني متجدد بدأ فعليًا في أواخر العام الماضي، وتحديدًا في ديسمبر 2024، مما يرسخ مكانة هذا الموقع كأحد أنشط النقاط البركانية على مستوى العالم. ويرصد الخبراء حاليًا انبعاث كميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكبريت، قد تصل معدلاتها إلى مئة ألف طن يوميًا، وهو ما يفرض تحديات بيئية حقيقية قد تنعكس سلبًا على نقاء الهواء وتسبب مشكلات تنفسية للإنسان والحيوان في المحيط الحيوي القريب من منطقة النشاط.
وفي سياق تحليل هذه الظاهرة، أشارت التقارير الجيولوجية المتخصصة إلى أن مثل هذه الانفجارات العنيفة غالبًا ما تكون قصيرة الأمد، فلا تتجاوز دورتها يومًا واحدًا في العادة، إلا أنها تخلف وراءها ظواهر فريدة، أبرزها تطاير خيوط زجاجية دقيقة تُعرف محليًا بلقب “شعر بيليه” تيمنًا بأسطورة الآلهة القديمة في تلك الجزر. وتتسم هذه الشظايا بحدتها الشديدة وخطورتها البالغة على الجلد والعيون، مما يستوجب الحذر التام وتجنب ملامسة مخلفات الانفجار البركاني.
وعلى الرغم من عنفوان المشهد وقوته، تظل المناطق السكنية في مأمن من أي تهديد مباشر، لا سيما وأن السلطات تفرض طوقًا أمنيًا حول فوهة البركان وتمنع الوصول إليها منذ قرابة عشرين عامًا حرصًا على الأرواح. ويحظى هذا الموقع بأهمية علمية بالغة، فهو جزء من منظومة جيولوجية تضم ستة براكين نشطة في الأرخبيل، ويعمل العلماء على مراقبته بشكل دقيق لفهم سلوك البراكين والتنبؤ بتقلباتها، خاصة وأن تاريخ نشاطه المتصل يعود إلى مطلع الثمانينيات، ما يجعله مختبرًا طبيعيًا مفتوحًا للدراسة.
وقد وثقت العدسات تلك اللحظات الدرامية لتدفق الحمم، مما لفت أنظار العالم وجدد التذكير بسطوة الطبيعة. وفي ظل هذه الأجواء المشبعة بالرماد والغازات، تتجدد الدعوات بضرورة الالتزام بالتوجيهات الصحية الصارمة، وتجنب التعرض للمواد المنبعثة أو الاقتراب من الشظايا الزجاجية المتساقطة، حفاظًا على السلامة العامة، خاصة للأشخاص الذين يعانون من حساسية في الجهاز التنفسي.
التعليقات