لطالما وقف المجتمع العلمي حائراً أمام ظاهرة بيولوجية لافتة للنظر، تتمثل في وجود علاقة عكسية غريبة بين الأورام الخبيثة وتدهور القدرات العقلية، حيث لاحظ الباحثون أن التعافي من السرطان قد يمنح الناجين نوعاً من الحصانة ضد أمراض الخرف في شيخوختهم. وقد بدأت ملامح هذا اللغز تتضح بفضل جهود بحثية حديثة من جامعة بريستول، أشارت إلى أن السرطان، رغم قسوته، قد يُنتج دفاعات غير متوقعة للدماغ، مما يقلل احتمالات الإصابة بضعف الذاكرة بنسبة قد تبلغ الربع.

ويكمن سر هذه الحماية المحتملة في مركب حيوي يُدعى “Cystatin C”، وهو في الأصل نتاج ثانوي لعملية نمو الأورام، لكن دوره يتجاوز ذلك بكثير؛ إذ يمتلك القدرة الفريدة على اختراق الحواجز الدقيقة المحيطة بالمخ. وعند وصوله إلى الأنسجة الدماغية، يعمل هذا البروتين كمحفز للجهاز المناعي ليقوم بتفكيك التراكمات الضارة المعروفة باسم “اللويحات الأميلويدية”، والتي تُعد المسبب الرئيسي لمرض ألزهايمر، مما يعني أن مخلفات الخلايا السرطانية قد تلعب دور “المنظف” الذي يحمي الخلايا العصبية من التلف.

وقد تعززت هذه الفرضية عبر تجارب معملية أجريت على فئران مهيأة وراثياً للإصابة بمشاكل الذاكرة؛ فعندما تم حقنها ببروتين “Cystatin C” أو زرع أنسجة ورمية بشرية لديها، لوحظ عدم تشكل الرواسب الدماغية الضارة، بل وسُجل تحسن ملموس في وظائف الإدراك والذاكرة لديها، مما يفتح آفاقاً جديدة للتفكير في كيفية استغلال هذه الآلية طبياً لتطوير علاجات مستقبلية للبشر.

ولا يقف الأمر عند هذا البروتين فحسب، بل يمتد البحث العلمي ليشمل دراسة عناصر بيولوجية أخرى مثل إنزيم “PI3K” وبروتين “PIN1″، التي يبدو أنها تساهم في هذه المعادلة المعقدة، حيث تتناقض الطبيعة البيولوجية للمرضين؛ فالسرطان يعتمد أساساً على النمو المفرط للخلايا وتكاثرها، بينما يقوم الخرف على موتها وتدميرها. وتدعم الإحصائيات العالمية هذه الرؤية المتبادلة، إذ بينت دراسات سابقة، منها بحث واسع النطاق في تايوان، أن المصابين بألزهايمر تنخفض لديهم فرص الإصابة بالأورام بشكل كبير قد يتجاوز النصف أحياناً.

وبرغم تفاؤل خبراء بارزين، مثل البروفيسور إليو ريبولي من “إمبريال كوليدج لندن”، بإمكانية تحويل هذه الاكتشافات إلى عقاقير وقائية تعزز نشاط هذه البروتينات، إلا أن الأوساط الطبية تؤكد بحزم على ضرورة التريث. فالأمر لا يعتمد على عامل واحد فقط، وتظل الحاجة ملحة لإجراء المزيد من التجارب السريرية المعمقة على البشر لضمان الفعالية والأمان قبل اعتماد أي بروتوكولات علاجية جديدة مستوحاة من هذه العلاقة البيولوجية المعقدة.