تحفل ذاكرة الكرة المصرية بأسماء لا يمكن أن تُمحى، نجومٌ تجاوزوا فكرة الموهبة العابرة ليصبحوا علامات فارقة في تاريخ اللعبة، ومن بين هؤلاء يبرز اسم بشير عبد الصمد كأيقونة فريدة لنادي الإسماعيلي والمنتخب الوطني؛ فهو لم يكن مجرد مهاجم بارع، بل كان “ظاهرة” كروية فرضت نفسها بامتياز، مُجبرًا الأجهزة الفنية للمنتخبات على الاستعانة بخدماته بفضل حسه التهديفي العالي الذي جعله أحد أبرز الهدافين في تاريخ المسابقة المحلية. بدأت رحلة هذا النجم المولود في مدينة طوخ أواخر صيف عام 1966، بانتقاله من فريق مدينته الصغير إلى قلعة الدراويش، ليعلن عن نفسه بقوة في موسم 1990-1991 خلال ظهوره الرسمي الأول أمام بورفؤاد، في مباراة اكتسح فيها الأصفر منافسه برباعية، واضعًا بصمته الأولى بهدف افتتاحي لمسيرة حافلة.
ارتبط اسم بشير عبد الصمد بشكل وثيق بالجيل الذهبي للإسماعيلي الذي أعاد درع الدوري إلى المدينة الساحلية بعد غياب استمر لربع قرن؛ ففي ذلك الموسم الاستثنائي (90-91)، ساهم بسبعة أهداف حاسمة، كان أغلاها على الإطلاق ذلك الذي هز شباك النادي الأهلي في المباراة الفاصلة باستاد المحلة، ففي الدقائق الأخيرة من عمر اللقاء، وتحديدًا عند الدقيقة 39 من الشوط الثاني، استقبل بشير تمريرة سحرية من زميله أحمد العجوز، ليودعها بيسراه ببراعة في المرمى، معلنًا حسم اللقب وإشعال الفرحة الهستيرية في مدرجات “الدراويش”، وتواصل توهجه في السنوات التالية حتى نال لقب هداف الدوري المصري في موسم 1993-1994 بتسجيله 13 هدفًا، متفوقًا على الجميع.
لم تقتصر مهارة بشير على تسجيل الأهداف فحسب، بل امتدت لجمالية التنفيذ، ولعل هدفه الأسطوري في مرمى الترسانة يظل شاهدًا على عبقريته الفطرية؛ حيث روض كرة طولية من حمزة الجمل، وراوغ المدافع بمهارة هوائية فائقة قبل أن يسدد الكرة “على الطاير” بيسراه لتسكن الشباك قبل ملامستها الأرض، في لوحة فنية نادرة التكرار. هذا التألق المحلي فتح له أبواب المنتخب الوطني على مصراعيها، فشارك تحت قيادة طه إسماعيل في كأس الأمم الإفريقية بتونس عام 1994، وترك بصمة دولية واضحة بتسجيله هدفين متتاليين في غضون أربع دقائق فقط في شباك منتخب الجابون، خلال مباراة انتهت بفوز عريض للفراعنة، وسط كوكبة من زملائه في الإسماعيلي الذين شكلوا القوام الرئيسي للمنتخب آنذاك أمثال حمزة الجمل وفوزي جمال.
بعد إسدال الستار على مسيرته كلاعب، اتجه “الهداف القدير” إلى عالم التدريب، حيث خاض تجربة احترافية في المملكة العربية السعودية، استهلها مطلع عام 2012 مع نادي الوحدة ونجح في قيادتهم للصعود إلى دوري الأضواء، إلا أن رحلته مع الفريق انتهت باستقالة مثيرة للجدل في أغسطس من نفس العام، بسبب خلاف إداري حول رغبته في الاستغناء عن مدربي اللياقة والحراس وتحمل مسؤولياتهم بنفسه، وهو ما رفضته الإدارة، ليعود بعدها بعام لتدريب نادي الطائي. وفي التاسع عشر من أكتوبر عام 2023، ودع بشير عبد الصمد دنيانا عن عمر ناهز 57 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا كرويًا وسيرة عطرة ستظل حية في قلوب عشاق الساحرة المستديرة.
التعليقات