أثار قرار حظر منصة “روبلوكس” في عدد من البلدان موجة جديدة من النقاشات الجادة حول سلامة الأطفال في العالم الرقمي، لا سيما فيما يتعلق بالتطبيقات التي تشرع الأبواب أمام تواصل غير مراقب أو تعرض الصغار لمشاهد وسلوكيات لا تليق بسنوات عمرهم الغضة. ومع ذلك، تبقى الحقيقة الجوهرية التي لا يمكن إغفالها هي أن سياسة الحجب التقني وحدها لا تمثل حلاً جذرياً ولا تكفي لدرء المخاطر؛ فالطفل، بطبيعته الفضولية، سيسعى دوماً لإيجاد مسارات بديلة قد تكون أشد ضرراً إذا غابت الرقابة الأبوية الواعية والتوجيه الأسري السليم الذي يملأ الفراغ.
وفي هذا السياق، تشير الدكتورة هبة شمندي، المتخصصة في الصحة النفسية، إلى أن المسؤولية الحقيقية تقع على عاتق الوالدين من خلال تبني مفهوم “الإدارة الذكية” بدلاً من سياسة المنع المطلق. فالإشكالية في مثل هذه المنصات لا تكمن في كونها مجرد لعبة عابرة، بل في كونها فضاءً مفتوحاً يتيح التفاعل مع مجهولين، ويسمح بتداول محتوى يصنعه المستخدمون بعيداً عن أعين الرقابة الصارمة، مما قد يرسخ سلوكيات ومفاهيم يصعب السيطرة عليها أو تنقيحها لتناسب عمر الطفل، وهو الأمر الذي يفسر القلق الدولي المتنامي تجاهها ودفع بعض الجهات لاتخاذ إجراءات تقييدية.
ومن الأخطاء الجسيمة التي يقع فيها المربون عقب قرارات الحظر، اللجوء إلى السحب المفاجئ للأجهزة أو الألعاب دون تقديم أي تبريرات منطقية، مع تهميش مشاعر الطفل وردود فعله الغاضبة وتركهم في حيرة من أمرهم. هذا الأسلوب لا يولد سوى العناد ويدفع الطفل للبحث منفرداً عن خيارات أخرى قد تكون أكثر عنفاً وأقل أماناً، لذا فإن الخطوة الأولى نحو الحل تكمن في استبدال القرارات الفوقية بلغة الحوار؛ حيث يتوجب شرح أسباب المنع بأسلوب مبسط وهادئ يخلو من الترهيب، لإقناع الطفل بأن الهدف هو حمايته من محتوى لا يناسبه، فالطفل الذي يفهم الدوافع يتقبل القرارات بصدر رحب أكثر من الطفل المجبُر.
ولا يتوقف الدور التربوي عند الشرح، بل يجب طرح البدائل فوراً؛ فلا يُعقل ترك الطفل أمام فراغ قاتل ومواجهته بكلمة “لا” دون حلول، بل ينبغي توجيهه نحو ألعاب تحفز الذكاء كالألغاز، وتنمي مهارات التصميم والبناء، أو تعزز القدرات اللغوية والتفكير في بيئة آمنة. وبالتوازي مع اختيار المحتوى المناسب، تؤكد الدراسات ضرورة ضبط الوقت، حيث يؤدي الإفراط في اللعب لأكثر من ساعتين يومياً إلى تشتت الانتباه وزيادة العصبية، مما يستوجب تحديد ساعات لعب ثابتة وربطها بإنجاز المهام اليومية والواجبات، دون تحويل الألعاب إلى وسيلة مساومة دائمة أو أداة للتهديد.
ولضمان أقصى درجات الأمان الرقمي، يُنصح بمشاركة الطفل هوايته والجلوس بجواره أثناء اللعب ولو لمرات قليلة؛ فهذا لا يكشف طبيعة المحتوى الذي ينجذب إليه الطفل فحسب، بل يبني جسوراً من الثقة المتبادلة تجعل الطفل يشعر برقابة ذكية تحميه ولا تقيده. وحتى مع توفر البدائل الآمنة، تظل التوعية المستمرة هي السلاح الأقوى، من خلال ترسيخ قواعد صارمة تمنع مشاركة المعلومات الشخصية أو الصور، وتحذر من الحديث مع الغرباء، مع ضرورة تشجيع الطفل على الإبلاغ الفوري لوالديه عن أي شيء يثير ريبته أو قلقه.
ختاماً، يجب ألا ننسى أن الخطر الحقيقي يكمن في تحول العالم الافتراضي والألعاب الإلكترونية إلى الملاذ الوحيد للطفل؛ لذا فإن الحل الأمثل يكمن في إعادة التوازن لحياته الواقعية عبر دمج الأنشطة الرياضية، وتنمية المواهب الفنية، وتخصيص وقت عائلي ممتع وحقيقي، فالطفل الذي يمتلك حياة غنية ومشغولة بالإيجابيات والهوايات لن يقع فريسة سهلة لإدمان الشاشات.
التعليقات