عند بلوغ المرأة سن الأربعين، قد تجد نفسها فجأة أمام موجات من المشاعر الفياضة والدموع التي قد تبدو بلا سبب واضح، وهي حالة يصفها الدكتور محمد هاني، المتخصص في الصحة النفسية، بأنها ظاهرة طبيعية شائعة لا تستدعي القلق المفرط أو الاعتقاد بوجود خلل نفسي جسيم، بل هي انعكاس لتداخلات معقدة بين العوامل البيولوجية والنفسية، فضلاً عن التحولات الاجتماعية التي تفرض نفسها في هذا التوقيت الزمني من عمر الإنسان.
وتبدأ هذه المرحلة عادةً عندما يخفت صخب المسؤوليات اليومية المعتادة، خاصة تلك المتعلقة برعاية الأبناء وتفاصيل حياتهم الدقيقة، مما يضع الأم أمام مساحة فراغ تتيح لها إعادة استكشاف ذاتها وتقييم رحلة حياتها السابقة؛ وهنا، وبحسب رأي المختصين، قد يترجم العقل هذه المراجعات الداخلية إلى نوبات من البكاء أو الشعور بالحزن، وهو أمر يعززه التغير التدريجي في هرمونات الجسم التي تعيد تشكيل كيمياء المخ وتزيد من حدة الحساسية العاطفية، وهو ما يجب النظر إليه كجزء من الفطرة وليس كدليل على هشاشة الشخصية أو ضعفها.
ومن زاوية أخرى، يفسر علم النفس هذا التدفق العاطفي بأنه نوع من “الإفراج المؤجل” عن المشاعر؛ فالكثير من الأمهات قضين سنوات طويلة في كبت انفعالاتهن وتأجيل احتياجاتهن النفسية لصالح استقرار الأسرة، وعندما يهدأ إيقاع الحياة، تخرج تلك التراكمات القديمة دفعة واحدة على هيئة دموع، مما يجعل البكاء هنا وسيلة صحية لتطهير النفس من أثقال الماضي.
وفيما يتعلق بالخيط الرفيع بين هذا الحزن الطبيعي وبين الاكتئاب المرضي، يؤكد الدكتور هاني أن البكاء بحد ذاته ليس معياراً للتشخيص، فالخطر يكمن فقط إذا تحول الحزن إلى حالة مستدامة تعيق الرغبة في العيش، أو تسببت في اضطرابات النوم والميل للعزلة؛ ولتجاوز هذه المرحلة بسلام، يُنصح بضرورة التصالح مع هذه المشاعر وعدم إنكارها، والبدء في منح الصحة النفسية أولوية قصوى توازي الاهتمام بالجسد، وذلك عبر إحياء الهوايات المنسية، والحديث بوضوح مع المقربين أو المتخصصين، مع التأكيد على أن طلب المشورة هو قمة النضج والوعي وليس علامة انكسار.
التعليقات