عاد ملف المختفين قسرياً في اليمن إلى الواجهة بقوة، مدعوماً بأدلة مادية كشف عنها تحقيق استقصائي حديث تمكن من الوصول بشكل استثنائي إلى مواقع عسكرية سابقة في جنوب البلاد. هذه الجولة الميدانية النادرة، التي قامت بها هيئة بث بريطانية، أماطت اللثام عن مرافق احتجاز كانت تديرها قوات إماراتية وفصائل يمنية حليفة لها، مما يمنح مصداقية للاتهامات المتكررة بوجود منظومة سجون سرية عملت طوال سنوات النزاع المستمر منذ عقد، وهو الأمر الذي طالما نفته أبوظبي في السابق والتزمت الصمت حيال الاستفسارات الأخيرة بشأنه.

وتعكس المشاهد التي رصدتها العدسات من داخل تلك القواعد واقعاً إنسانياً مروعاً؛ حيث حُولت حاويات الشحن المعدنية إلى معتقلات جماعية طليت من الداخل بالسواد الدامس لامتصاص الضوء، وعانت من انعدام شبه كلي للتهوية. وعلى جدران تلك الحاويات الصماء، حفر السجناء أسماءهم وتواريخ اعتقالهم كشواهد حية ورسائل باقية من زمن العزلة. وإلى جانب ذلك، كشف الموقع عن زنازين انفرادية خرسانية ضيقة للغاية لا تتجاوز مساحتها المتر الواحد، وصفها ناجون بأنها كانت مسرحاً لمعاناة لا توصف، حيث كان يتم تكديس نحو ستين رجلاً في الحاوية الواحدة، مقيدين ومعصوبي الأعين، دون أدنى مساحة تسمح لهم بالاستلقاء أو النوم.

ولم تقتصر المعاناة على قسوة المكان وظروفه، بل تضمنت شهادات مروعة حول التعذيب الممنهج جسدياً ونفسياً. فقد أفاد ضحايا سابقون بتعرضهم لانتهاكات جسيمة شملت الضرب المبرح والاعتداءات الجنسية، وأشار بعضهم إلى إشراف محققين -بينهم من وُصف بأنه طبيب إماراتي- على عمليات التعذيب لانتزاع اعترافات قسرية بالانتماء لجماعات متطرفة مثل “القاعدة”، تحت وطأة التهديد بالنقل إلى سجون دولية سيئة السمعة كـ”غوانتانامو”.

وفي مدينة المكلا، تجسدت المأساة في روايات الأهالي، حيث تحدثت والدة شاب رياضي معتقل منذ تسع سنوات عن آثار تعذيب وحشية بالصعق الكهربائي والماء البارد رأتُها بوضوح على جسد ابنها. وأكدت الأم أن “الاعترافات” المسجلة التي استندت إليها المحكمة كانت مفبركة، إذ كان بالإمكان سماع أصوات الضرب والتلقين في خلفية التسجيل الصوتي. وتأتي هذه الحقائق الميدانية، بالتزامن مع تجمع ضم عشرات المحتجزين السابقين، لتعيد فتح ملف الانتهاكات الحقوقية في المناطق التي خضعت لسيطرة القوى المناهضة للحوثيين، واضعة تلك الجهات أمام مسؤولية مباشرة في ظل توفر شهادات حية وموثقة من الضحايا أنفسهم.