شهدت الآونة الأخيرة تزايداً ملحوظاً في النقاشات حول مفهوم الصيام الجاف، الذي يعتمد على الامتناع الكلي عن الطعام والشراب لفترة زمنية محددة، غالباً ما تكون من مطلع الفجر حتى الغروب. وفي هذا السياق، أوضحت أخصائية التغذية العلاجية، الدكتورة ندا شريف، أن هذه الممارسة تتجاوز كونها مجرد شعيرة تعبدية أو تقليداً اجتماعياً، إذ أثبتت الأبحاث العلمية الحديثة أن لها انعكاسات صحية عميقة وتأثيرات إيجابية ملموسة على وظائف الجسم الحيوية.
أحد أبرز هذه التأثيرات يتمثل في قدرة الصيام الجاف على مكافحة الالتهابات داخل الجسم؛ حيث أشارت الخبيرة إلى دوره الفعال في خفض مستويات المركبات البيولوجية المحفزة للالتهاب، والتي يرتبط ارتفاعها عادةً بالإصابة بأمراض مزمنة خطيرة مثل داء السكري واضطرابات القلب. وفي المقابل، يحفز هذا النمط من الصيام الخلايا المناعية على إنتاج بروتينات ذات خصائص وقائية، مما يعيد للجسم توازنه الصحي ويحميه من التداعيات السلبية للالتهابات المستمرة.
علاوة على ذلك، عندما يتوقف الإمداد الخارجي بالغذاء والماء، يضطر الجسم للبحث عن مصادر بديلة للطاقة من مخزونه الداخلي، مما يُشغل آلية فسيولوجية دقيقة تعرف بـ “الالتهام الذاتي”. تعمل هذه الآلية بمثابة نظام تنظيف داخلي يتخلص من الخلايا التالفة والبروتينات القديمة المتراكمة، كما تحد من الإجهاد التأكسدي، وهي عملية جوهرية لتجديد شباب الخلايا وضمان كفاءتها.
وعلى المستوى الجزيئي، يساهم الامتناع عن الطعام والشراب في إعادة توجيه المسارات الخلوية؛ إذ يقلل من نشاط المسارات المرتبطة بالشيخوخة والنمو غير المنضبط، بينما يعزز نشاط إنزيمات استشعار الطاقة، مما يرسل إشارات قوية للجسم بضرورة البدء في عمليات الترميم والإصلاح الذاتي. كما يساعد الالتزام بالصيام النهاري في إعادة ضبط الساعة البيولوجية، وهو ما يعود بالنفع الكبير على من يعانون من اضطرابات التمثيل الغذائي، حيث يظهر التحسن بوضوح في مستويات ضغط الدم، والوزن، واستجابة الجسم للأنسولين.
وفي الختام، يرى بعض الباحثين أن الصيام الجاف قد يكون أكثر فاعلية من الصيام المتقطع التقليدي؛ نظراً لقدرته على إحداث تغييرات أيضية أسرع وأعمق، بما في ذلك زيادة إنتاج الكيتونات التي ترفع من معدلات حرق الدهون. وتجعل هذه العملية الخلايا أكثر مرونة وقدرة على تحمل الضغوط، بل إن تأثيره في تقليل الالتهاب قد يضاهي في قوته بعض العلاجات الطبية المخصصة لهذا الغرض.
التعليقات