تعتبر الأم المهندس الأول الذي يضع اللبنات الأساسية لبناء روح الطفل وتكوينه الوجداني، فالبيئة المنزلية هي المصنع الذي تتشكل فيه نظرة الصغير لذاته وللعالم الخارجي، وتتحول فيه العبارات التي تلتقطها أذناه يوميًا إلى قناعات راسخة وصوت داخلي يوجه مسار حياته لاحقًا. ورغم فيض الحب الذي تحمله الأمهات، قد تتسرب بعض الكلمات في لحظات الانفعال لتحدث شروخًا عميقة في جدار الثقة بالنفس لدى الأبناء دون قصد.
وفي هذا السياق، يشير خبراء الصحة النفسية إلى أن هناك عبارات قاتلة للطموح قد تخرج بعفوية أو غضب، مثل وصم الابن بـ “الفشل” أو التأكيد له بأنه “لن يفلح في شيء”. تكمن خطورة هذه الكلمات في أن عقل الطفل الصغير لا يمتلك المرونة الكافية للتفريق بين السلوك الخاطئ المؤقت وبين هويته الشخصية؛ فعندما يتكرر وصفه بالفشل، هو لا يرى أنه ارتكب خطأً يمكن إصلاحه، بل يترسخ لديه يقين بأنه هو نفسه “الخطأ”، مما يحول هذه الكلمات من مجرد توبيخ عابر إلى حقيقة مطلقة يؤمن بها.
وتتجلى الآثار المدمرة لهذا الأسلوب التربوي على المدى البعيد، حيث ينمو الطفل وهو مثقل بضعف الشخصية، والخوف الدائم من خوض التجارب الجديدة، والاعتماد المفرط على تقييم الآخرين، بالإضافة إلى الميل للانزواء الاجتماعي. ولأن الأم تمثل المرجع الأول للحقيقة والأمان في نظر طفلها، فإن حكمها عليه يكون نافذًا ولا يقبل الجدل، مما يجعل وقع كلماتها القاسية أشد إيلامًا وتدميرًا من أي شخص آخر، وقد يمتد هذا التأثير ليلاحق الإنسان في رشده، مسببًا تعثرًا في حياته المهنية وعلاقاته الإنسانية.
لذا، تقتضي الحكمة التربوية الفصل التام بين نقد الفعل ونقد الفاعل؛ فهناك بون شاسع بين أن نقول للطفل “تصرفك لم يكن صائبًا” وبين أن نقول له “أنت شخص سيء”. ولحماية الصحة النفسية للأبناء، ينبغي استبدال لغة التحطيم بلغة الدعم والاحتواء، عبر استخدام جمل تحفيزية تؤكد على أن الخطأ هو بوابة التعلم، وتشجع على المحاولة مرة أخرى، وتزرع الثقة في قدراتهم. ففي النهاية، قد تغيب تفاصيل المواقف عن ذاكرة الطفل مع مرور الزمن، لكن المشاعر التي خلفتها الكلمات الجارحة تظل محفورة في الوجدان، لتشكل حاجزًا نفسيًا يعيقه عن التقدم طوال حياته.
التعليقات