يحتل الأرز مكانة مركزية في وجباتنا اليومية، وكثيرًا ما نتعامل مع بقايا هذه الوجبة بنوع من التلقائية، فنقوم بتسخينها لتناولها في اليوم التالي معتقدين أننا بذلك نحصل على وجبة آمنة تمامًا. غير أن ما يغيب عن أذهان الكثيرين هو أن التعامل الخاطئ مع الأرز المطهو قد يحوله من طعام مغذٍ إلى مصدر خطر صحي داهم، ولا تكمن المشكلة هنا في الأرز كحبوب، بل في الآلية التي نتبعها لحفظه وإعادة تقديمه، حيث يحذر المتخصصون في سلامة الغذاء من أن بعض العادات المنزلية الشائعة قد تؤدي إلى نمو بكتيري خفي لا يتأثر بالحرارة، مما يسبب حالات تسمم غذائي قد تكون شديدة رغم أن طعم ورائحة الطعام يبدوان طبيعيين تمامًا.

يعود السبب العلمي وراء هذا التحذير إلى نوع محدد من البكتيريا يُعرف باسم “باسيلوس سيريس”، وهي بكتيريا تتسم بقدرة فريدة على المقاومة؛ إذ إن طهي الأرز عند درجات الغليان لا يكفي للقضاء على جراثيمها بشكل نهائي. وتكمن الخطورة الحقيقية في الفترة التي تلي الطهي مباشرة، فبمجرد ترك وعاء الأرز ليبرد في درجة حرارة الغرفة لفترات طويلة، تستيقظ هذه الجراثيم وتبدأ في التكاثر السريع مفرزة سمومًا لا يمكن تدميرها بالتسخين اللاحق، مما يعني أن وضع الأرز الملوث في الميكروويف أو على الموقد لن يجعلنا بمأمن من الضرر، فالسموم تظل نشطة ومؤذية للجهاز الهضمي.

عند تناول أرز ملوث بهذه السموم، لا يتأخر رد فعل الجسم طويلًا، حيث تظهر علامات التسمم عادةً خلال بضع ساعات فقط، وتتمثل في نوبات مفاجئة من الغثيان والقيء المتكرر، مصحوبة بتقلصات معوية مؤلمة وإسهال، وقد يشعر المصاب بإعياء عام ودوار. ورغم أن هذه الأعراض قد تكون عابرة لدى الأصحاء، إلا أنها تشكل تهديدًا جديًا لفئات محددة مثل الأطفال، وكبار السن، والنساء الحوامل، أو الأشخاص الذين يعانون من ضعف في المناعة، مما قد يستوجب رعاية طبية عاجلة لتفادي المضاعفات.

لتجنب هذه المخاطر، يوصي خبراء التغذية بتغيير جذري في طريقة تعاملنا مع بقايا الأرز، والقاعدة الذهبية هنا هي “التبريد السريع”. ينبغي عدم ترك الأرز المطهو خارج الثلاجة لأكثر من ساعة واحدة، ويفضل توزيعه في حاويات صغيرة وضحلة لتسريع عملية تبريده قبل إدخاله الثلاجة، مع ضرورة ضبط التبريد عند درجات منخفضة وآمنة. كما يُشدد الخبراء على ضرورة استهلاك الأرز المحفوظ خلال يوم واحد فقط، وعدم تكرار عملية التسخين لأكثر من مرة واحدة؛ فكلما زادت مرات التسخين والتبريد، ارتفعت احتمالية تكاثر البكتيريا.

وفي سياق التحضير الآمن، عند الرغبة في إعادة تسخين الأرز، يجب التأكد من وصول الحرارة إلى كافة أجزائه بشكل متساوٍ حتى يتصاعد منه البخار، ويمكن إضافة قليل من الماء لضمان عدم جفافه والحفاظ على قوامه. هذه المعايير الصارمة هي نفسها التي تتبعها المطاعم المحترفة لتفادي حوادث التسمم الجماعي، حيث تلتزم بالتخلص الفوري من الفائض الذي لم يُحفظ بشكل صحيح، وهو نهج يجب أن نقتدي به في منازلنا لضمان سلامة عائلاتنا، مع ضرورة التخلص من أي طعام تظهر عليه علامات تغير في الرائحة أو القوام دون تردد.