تمر الفتيات خلال سنوات المراهقة بمنعطفات نفسية وفسيولوجية دقيقة تجعل وقع الكلمات عليهن أشد عمقًا وأثرًا مما قد يتصوره الكثير من الآباء. ففي هذه المرحلة العمرية، تشير الدراسات إلى أن المراكز العاطفية في الدماغ تنمو بوتيرة أسرع من تلك المسؤولة عن المنطق والتحكم، مما يعني أن ملاحظة بسيطة قد تبدو للأب عابرة، يمكن أن تترسخ في ذهن الفتاة وتؤثر سلبًا على صورتها الذاتية وثقتها بنفسها لفترات طويلة. وتتعاظم هذه الحساسية المفرطة تجاه نبرة الصوت وطريقة الكلام في ظل الضغوط الخارجية التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي والمقارنات المستمرة مع الآخرين، مما يضع الفتاة تحت وطأة شعور دائم بعدم الأمان، ويحتم على الأب ضرورة الانتباه الشديد لطريقة تعاطيه معها.
وفي إطار بناء علاقة صحية، يقع بعض الآباء في خطأ الانسحاب غير المقصود؛ فمع التغيرات الجسدية والنفسية للفتاة، قد تظهر نوعًا من الرفض للتلامس الجسدي كالعناق، وهو ما يفسره الأب أحيانًا على أنه رغبة في البعد، فيتوقف عن إظهار المودة. غير أن هذا التراجع يرسل رسالة سلبية للفتاة في وقت تكون فيه بأمس الحاجة للشعور بالدعم والقبول غير المشروط، لذا يجب ألا يكون خجلها أو تقلبها المزاجي مبررًا لوقف التعبير عن الحب الأبوي الذي يعد ركيزة أساسية لاستقرارها النفسي. وبالمثل، يميل الرجال بطبعهم إلى البحث عن حلول فورية للمشاكل أو محاولة السيطرة على الموقف، فإذا لجأت الابنة لأبيها بمشاعر فياضة، قد يقابلها بنصائح سريعة أو يحيلها إلى والدتها، في حين أن ما تحتاجه فعليًا ليس حلاً سحريًا، بل أذنًا صاغية وقلبًا يتسع لمشاعرها دون إطلاق أحكام، فمشاركة الأب لخبراته ومشاعره الإنسانية تجعل منه ملاذًا آمنًا لابنته.
علاوة على ذلك، تتطلب هذه المرحلة الانتقالية من الأب أن يودع صورة “الطفلة الصغيرة” التي اعتاد عليها، ويتقبل حقيقة أن ابنته تقترب من عتبة النضوج. هذا التحول يقتضي السماح لها بهامش من الاستقلال والمغامرة، وحتى الفشل، لتبني شخصيتها المستقلة. ومحاولة الأب لفرض السيطرة المطلقة أو توقع الطاعة العمياء في هذا الوقت غالبًا ما تأتي بنتائج عكسية تؤدي إلى التمرد واتساع الفجوة بينهما. بدلاً من ذلك، يجب أن يتحول الأب من قائد يصدر الأوامر إلى موجه يسعى لكسب ثقة ابنته واحترامها من خلال التعرف على اهتماماتها وعالمها الخاص، ومعاملتها كشخص راشد مع الحفاظ على الحدود التربوية اللازمة. وأخيرًا، لضمان سلامة هذا التواصل، يجب تجنب الاعتماد على الأم أو أي طرف ثالث كوسيط لنقل الرسائل، فالتواصل المباشر، مهما كان صعبًا، هو السبيل الوحيد لفهم عميق وعلاقة متينة خالية من التوتر وسوء الفهم.
التعليقات