غرس قيمة الصيام في نفوس الصغار رحلة تربوية دقيقة تتطلب الحكمة واللين، لضمان ألا تتحول هذه العبادة الروحانية إلى عبء نفسي ثقيل أو ذكرى مؤلمة. وفي هذا الإطار، تشير المتخصصة في الصحة النفسية هبة شمندي إلى أن حجر الزاوية في هذه العملية هو الاحتواء والتحفيز بدلاً من الإكراه، فالغاية هي تنشئة جيل يحب الطاعة ويقبل عليها برغبة ذاتية، مستلهماً ذلك من القدوة الحسنة والصبر الجميل.

من أكثر الهفوات التي يقع فيها المربون هي مطالبة الطفل بأداء الفريضة كاملة منذ اللحظة الأولى، متجاهلين قدراته الجسدية المحدودة التي لا تحتمل الانقطاع الطويل عن الطعام والشراب فجأة. يكمن المسار الصحيح في اتباع سياسة التدرج الذكي، كالبدء بالصيام لساعات محدودة تزداد بمرور الأيام، مما يمنح الطفل شعوراً بالإنجاز بدلاً من الإحباط. ويتزامن هذا مع ضرورة مراقبة الحالة الصحية للصغير بدقة؛ فالصيام لا ينبغي أن يكون على حساب سلامته البدنية أو قدرته على التركيز، والإصرار عليه رغم ظهور علامات الإعياء قد يولد نفوراً دائماً.

على الصعيد النفسي، يجب الحذر الشديد من استخدام لغة التهديد أو ربط العبادة بالخوف، وكذلك تجنب عقد المقارنات الظالمة مع الأقران أو الأقارب، لأن ذلك يهدم ثقة الطفل بنفسه ويزرع مشاعر الغيرة والنقص بدلاً من التقوى. كما أن تحويل صيام الطفل إلى مادة للتباهي الاجتماعي أمام الضيوف، أو توبيخه ولومه إذا اضطر للإفطار في منتصف اليوم، يُعد مسلكاً خاطئاً يفرغ العبادة من جوهرها ويحولها إلى مصدر للقلق والإحراج، بينما المطلوب هو تقدير المحاولة مهما كانت بسيطة والتشجيع على تكرارها في اليوم التالي.

لكي يتقبل الطفل هذه التجربة بعمق، لا بد أن يدرك حكمتها؛ فلا يكفي توجيه الأوامر بالصيام كواجب صارم، بل ينبغي تبسيط المفاهيم له وشرح المعاني السامية كتعلم الصبر والشعور بالفقراء. وهنا يبرز دور الوالدين كنموذج حي يُحتذى به، فالسلوك العملي أمامهما أبلغ تأثيراً من التوجيهات اللفظية الجافة. علاوة على ذلك، يفضل الابتعاد عن ربط الصيام بالمكافآت المادية والهدايا المشروطة فقط، واستبدال ذلك بالدعم المعنوي والكلمات الطيبة والأحضان، لتعزيز الدافع الداخلي وبناء علاقة روحية متينة تستمر معه طوال حياته.