تواجه أعداد متزايدة من الناس، بمختلف فئاتهم العمرية، تحديات يومية تتعلق بشرود الذهن وصعوبة استحضار المعلومات البسيطة، مثل تذكر الأسماء أو تفاصيل حوار دار قبل لحظات، وهو أمر لا يعكس بالضرورة تراجعاً في القدرات العقلية بقدر ما هو نتاج لنمط الحياة المتسارع والمليء بالمشتتات. والنبأ السار هنا هو أن استعادة حدة الذاكرة لا تتطلب وصفات طبية معقدة أو قدرات فذة، بل تكمن في تبني نهج حياة ذكي يعيد ضبط إيقاع الدماغ، حيث أن الذاكرة ليست مجرد مخزن للمعلومات، بل هي عملية ديناميكية تتأثر بشدة بالإجهاد النفسي، وقلة الراحة، وسيطرة التكنولوجيا على تفاصيل يومنا، مما يجعل النسيان غالباً عرضاً لسلوكيات يمكن تصحيحها وليس مرضاً مزمناً.

حجر الزاوية في بناء ذاكرة قوية يبدأ من ساعات الليل، فالنوم العميق ليس مجرد راحة للجسد، بل هو الوقت الذي يقوم فيه الدماغ بعملية “أرشفة” وتنظيم المعلومات التي اكتسبها خلال النهار لتثبيتها في الذاكرة طويلة الممد؛ لذا فإن الحرمان من النوم أو عدم انتظامه يؤدي حتماً إلى تراجع القدرة على الاستيعاب، مما يجعل الالتزام بجدول نوم ثابت يمتد لثماني ساعات، مع تجنب الشاشات المضيئة قبل الخلود للفراش، خطوة أولى حاسمة نحو ذهن صافٍ. وبالتوازي مع الراحة، يلعب الغذاء دور الوقود المحرك للخلايا العصبية، إذ تشير الدراسات إلى أن النظام الغذائي الغني بالعناصر الطبيعية كالأسماك الدهنية، والمكسرات وتحديداً الجوز، إلى جانب الخضراوات الورقية والتوت والشوكولاتة الداكنة، يعمل كدرع واقٍ للدماغ ومعزز لكفاءته، حيث يكفي إدخال هذه العناصر بانتظام ضمن الوجبات لإحداث فارق ملموس في الأداء الذهني.

لا يمكن فصل صحة العقل عن صحة الجسد، فالحركة البدنية المستمرة تضمن تدفق الدم المحمل بالأكسجين إلى الدماغ، مما يحفز العمليات الكيميائية المسؤولة عن التعلم والحفظ؛ فحتى الأنشطة البسيطة مثل المشي اليومي أو استبدال المصعد بالدرج تعتبر تمارين فعالة للعقل تماماً كما هي للجسم. وكما تحتاج العضلات إلى تمرين، يحتاج الدماغ إلى تحديات تكسر رتابة الروتين اليومي الذي يسبب خمول الخلايا، وذلك من خلال الانخراط في أنشطة ذهنية جديدة مثل تعلم لغات غير مألوفة، أو حل الألغاز، أو حتى تغيير المسارات المعتادة أثناء التنقل، فكل تجربة جديدة تساهم في بناء ممرات عصبية أكثر متانة وقوة.

ومن الأسرار التي يغفل عنها الكثيرون لتعزيز الذاكرة هي قوة التركيز والتدوين اليدوي، فمحاولة القيام بمهام متعددة في آن واحد تضعف القدرة على تثبيت المعلومة، بينما يساهم صب التركيز على مهمة واحدة في ترسيخها، كما أن استخدام القلم والورقة لكتابة الملاحظات ينشط مراكز الذاكرة في الدماغ بفعالية تفوق الكتابة الرقمية بمراحل. وإلى جانب ذلك، لا بد من مراعاة الجانب النفسي والفسيولوجي، فالتوتر المزمن يعتبر العدو الأول للذاكرة، ويمكن مواجهته بتمارين التنفس والتأمل التي تمنح العقل صفاءً ضرورياً، مع عدم إغفال شرب كميات كافية من الماء لضمان رطوبة الجسم والدماغ، والحرص على التواصل الاجتماعي الفعّال الذي يبقي الذهن متيقظاً ويحميه من الشيخوخة المبكرة، بعيداً عن العزلة والسلوكيات الضارة كالسهر والاعتماد المفرط على الوجبات السريعة.