لطالما احتل التمر مكانة بارزة على الموائد، لا سيما في المجتمعات العربية والإسلامية، حيث يُعتبر خياراً مثالياً لكسر الصيام وتجديد النشاط بفضل محتواه العالي من السكريات الطبيعية والمركبات المغذية التي تمنح الجسم دفعة سريعة من الطاقة؛ فثمار التمر تكتظ بالعناصر الضرورية مثل المعادن والفيتامينات، إلى جانب مضادات الأكسدة التي تلعب دوراً حيوياً في تعزيز الصحة العامة ومكافحة الالتهابات، مما يجعلها غذاءً متكاملاً في الظروف الطبيعية.
وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن تناول الأطعمة السكرية يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع مستويات الجلوكوز في الدم، فقد كشفت التحليلات العلمية عن مفارقة صحية غير متوقعة، إذ تبين أن التمر قد يتسبب في هبوط حاد في سكر الدم بدلاً من رفعه لدى فئة محددة من الناس؛ ويرجع هذا التأثير العكسي إلى حالة طبية نادرة ذات أصول وراثية تُعرف بـ “عدم تحمل الفركتوز”، حيث يعجز جسم المصاب عن التعامل مع سكر الفاكهة بشكل طبيعي.
وتكمن جذور هذه المشكلة في غياب أو نقص إنزيم حيوي مسؤول عن تفكيك الفركتوز ومعالجته داخل الجسم، مما يؤدي إلى تراكم هذا السكر في أعضاء حساسة كالكبد والكلى والأمعاء؛ ونتيجة لهذا التراكم السام، تتعطل الآليات الفسيولوجية المسؤولة عن إنتاج الجلوكوز وضبط مستوياته في الدم، ليجد الشخص نفسه يعاني من نوبات هبوط السكر (Hypoglycemia) بمجرد تناوله لثمار يُفترض أنها مصدر للطاقة.
وقد استندت هذه الاستنتاجات الطبية إلى دراسات رصدت حالات واقعية، منها ما تم تسجيله لدى ثلاثة أفراد من عائلة سعودية واحدة، كانوا يعانون بشكل متكرر من أعراض منهكة عقب تناولهم للتمر أو العسل، وشملت هذه الأعراض الشعور بالإعياء الشديد، والتعرق المفرط، واضطرابات معوية مثل الغثيان وآلام البطن، بالإضافة إلى الرعشة والنعاس، وهي علامات أكدت الفحوصات لاحقاً ارتباطها بهذا الخلل الجيني الذي يصيب شخصاً واحداً تقريباً من بين كل عشرين ألف مولود.
وفي ضوء هذه المعطيات، يشدد الخبراء على أن الحل الأمثل والوحيد للتعايش مع هذا الاضطراب الوراثي يكمن في الوقاية عبر التعديل الغذائي الصارم؛ حيث يتحتم على المصابين تجنب كافة المصادر الغنية بالفركتوز، بما في ذلك التمر والعسل وبعض أنواع الفواكه الأخرى، لضمان استقرار حالتهم الصحية واختفاء تلك الأعراض المزعجة التي تعكر صفو حياتهم اليومية.
التعليقات