مع انخفاض درجات الحرارة وحلول الأجواء الباردة، تخضع أجسامنا لتغيرات فسيولوجية ملحوظة؛ إذ تميل حركة الأمعاء إلى الكسل، وتفقد البشرة نضارتها بسبب الجفاف، بينما تصبح المفاصل أقل مرونة، ناهيك عن تراجع قدرة الجهاز المناعي على مقاومة العدوى الموسمية. في خضم هذه التحديات، يبرز “السمن” كعنصر غذائي جوهري، يتجاوز كونه مجرد إضافة للنكهة ليكون وسيلة فعالة لاستعادة التوازن والدفء الداخلي، وهو ما جعل الأجيال السابقة تحرص على استخدامه بانتظام خلال أشهر الشتاء.
ويمثل هذا المكون مصدراً غنياً للدهون النافعة التي تمد الجسم بطاقة حرارية لازمة لمواجهة البرد، وعلى النقيض من الزيوت المهدرجة أو المكررة، يتميز السمن بخفته على المعدة وسهولة امتصاصه، مما يجعله داعماً قوياً لعملية التمثيل الغذائي التي قد تتعثر شتاءً. وعلاوة على ذلك، فإن تحسين كفاءة الهضم بفضله يؤدي تلقائياً إلى تعظيم الاستفادة من العناصر الغذائية المتناولة وتقليل المشاكل المعوية كالانتفاخ، مما يمنح الجسم نشاطاً أكبر.
ولا تقتصر فوائده على الطاقة فحسب، بل يُعد مخزناً للفيتامينات الذائبة في الدهون مثل (أ، د، هـ، ك)، وهي عناصر حيوية لتعزيز المناعة وصحة العظام، لا سيما في ظل غياب أشعة الشمس الكافية خلال الفصل البارد ونقص فيتامين “د”. ومن زاوية أخرى، يعمل السمن كمرطب طبيعي عميق؛ فهو يزيت المفاصل من الداخل ليقلل من تيبسها وآلامها، كما يمنح الجلد ترطيباً داخلياً يقيه من التقشر والجفاف بطريقة أكثر فاعلية مما تفعله الكريمات الموضعية وحدها.
ويحتوي هذا الغذاء التقليدي أيضاً على “حمض الزبدة”، وهو مركب فريد يسهم في تعزيز صحة الأمعاء ومحاربة الالتهابات، مما ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية والمناعية، وهما جانبان يتأثران بشدة بقلة الحركة والتوتر شتاءً. كما تمتد فوائده لتشمل الجهاز التنفسي، حيث يساعد تناوله مع الأطعمة الدافئة على تلطيف الحلق والرئتين وحمايتهما من آثار الهواء الجاف والملوثات البيئية التي تكثر في هذا الموسم.
وأخيراً، لا يمكن إغفال دور الدهون الصحية في تنشيط الذهن ومحاربة الخمول الذهني وتذبذب المزاج المرتبط بالشتاء، فهي وقود ضروري للتركيز والاستقرار العاطفي. ولتحقيق أقصى استفادة دون التأثير سلباً على الوزن، يكفي الالتزام بمقدار معتدل يعادل ملعقة واحدة صباحاً تضاف إلى وجبة دافئة، مع الحرص على انتقاء الأنواع الطبيعية والمُعدة بطرق أصيلة، ليكون ذلك بمثابة روتين يومي يعيد للجسم حيويته وقوته استناداً إلى حكمة غذائية متوارثة.
التعليقات