أظهرت أبحاث ألمانية حديثة تحولاً جذرياً في مفاهيم التغذية العلاجية لصحة القلب، حيث تبين أن تخصيص يومين فقط لتناول الشوفان بتركيز عالٍ قد يكون كفيلاً بإحداث تغييرات جوهرية في الجسم. وأشارت النتائج إلى أن الاستجابة الفسيولوجية لهذا النوع من الحبوب أسرع بكثير مما كان معتقدًا في السابق، إذ يمكن خفض معدلات الكوليسترول الضار بنسبة تصل إلى عشرة بالمائة في غضون 48 ساعة، مع استمرار هذا الأثر الوقائي لأسابيع تالية حتى بعد العودة للنظام الغذائي المعتاد.
يكمن السر وراء هذه الفعالية السريعة في احتواء الشوفان على نوع خاص من الألياف القابلة للذوبان يُعرف بـ “البيتا جلوكان”، والذي يتحول داخل الجهاز الهضمي إلى مادة ذات قوام هلامي. تعمل هذه المادة كمصيدة طبيعية تلتصق بجزيئات الكوليسترول وتعيق امتصاصها في الدم، مما يؤدي إلى خفض مستوياتها بشكل طبيعي. وفي حين كانت التوصيات التقليدية تركز على تناول كميات معتدلة يوميًا لفترات طويلة لتحقيق انخفاض تدريجي، أثبتت التجربة التي قادها علماء من جامعة بون أن النهج المكثف قصير المدى يحقق نتائج مماثلة أو أفضل في زمن قياسي.
شملت التجربة السريرية مجموعة من الأشخاص المعرضين لمخاطر قلبية وعائية، حيث خضعوا لنظام غذائي صارم لمدة يومين يعتمد حصراً على الشوفان. تناول المشاركون ثلاث وجبات يومية، تحتوي كل منها على نحو مائة جرام من الشوفان مع إمكانية إضافة كميات بسيطة من الخضار أو الفاكهة، بشرط تقليص السعرات الحرارية الكلية إلى نصف احتياجهم اليومي. وقد أسفر هذا التدخل عن نتائج مذهلة تضمنت فقدانًا للوزن بمتوسط كيلوجرامين، وتحسنًا في ضغط الدم، بالإضافة إلى الانخفاض الملحوظ في دهون الدم، وذلك مقارنة بمجموعة أخرى اتبعت حمية قليلة السعرات دون تحديد نوع الغذاء.
ولم تتوقف الفوائد عند هذا الحد، بل كشفت التحليلات الميكروبية أن تناول الشوفان بهذه الطريقة عزز من نمو البكتيريا النافعة في الأمعاء، مما زاد من إنتاج مركبات حيوية مثل حمض الفيروليك، الذي يلعب دورًا في تثبيط الإنزيمات المسؤولة عن تصنيع الكوليسترول في الكبد. وكانت الاستجابة العلاجية واضحة بشكل خاص لدى الأفراد الذين يعانون من “متلازمة التمثيل الغذائي”، وهي حالة تجمع بين السمنة، وارتفاع ضغط الدم، واضطراب مستويات السكر، مما يجعلهم أكثر عرضة للأزمات القلبية والسكتات الدماغية.
ومن المفارقات المثيرة للاهتمام التي رصدتها الدراسة المنشورة في دورية علمية مرموقة، أن اتباع نظام طويل الأمد يعتمد على استبدال وجبة واحدة فقط يوميًا بالشوفان لم يحقق نفس التأثير القوي الذي أحدثه النظام المكثف لمدة يومين، مما يشير إلى أن “الصدمة الغذائية” الإيجابية القصيرة قد تكون أكثر فاعلية. وتكتسب هذه النتائج أهمية كبرى كبديل طبيعي محتمل أو داعم للعلاجات الدوائية، خاصة في ظل تزايد الوفيات العالمية الناجمة عن أمراض القلب وحاجة الملايين لحلول فعالة وسريعة للسيطرة على اضطرابات الدهون.
التعليقات