مع حلول الشهر الفضيل، تجد المرأة العاملة نفسها أمام معادلة دقيقة تحاول فيها التوفيق بين التزاماتها الوظيفية، ومتطلبات منزلها، ورغبتها الصادقة في اغتنام النفحات الروحانية، وهو ما قد يولد شعوراً بالضغط النفسي بدلاً من السكينة. في هذا السياق، يرى الخبراء النفسيون أن النظر إلى رمضان لا يجب أن يكون كشهر للأعباء الإضافية، بل كمحطة سنوية لإعادة تنظيم الحياة وهندسة العادات اليومية بأسلوب يجمع بين الإنجاز والراحة النفسية.

تبدأ رحلة التوازن بالتخلي عن فكرة “المثالية المطلقة” التي تستنزف الجهد، واستبدالها بمبدأ “الأولويات الواضحة”. فبدلاً من السعي لإنجاز كل شيء دفعة واحدة، يُفضل وضع أهداف واقعية ومحددة، سواء كانت دينية كختم القرآن، أو اجتماعية كصلة الرحم، ومن ثم دمجها بمرونة مع جدول العمل، مع اليقين بأن القليل المستمر أفضل وأبقى أثراً من الحماس المنقطع.

من الذكاء أيضاً إدارة المهام بناءً على مخزون الطاقة الجسدية وليس فقط بالنظر إلى الساعة؛ إذ تختلف مستويات النشاط والتركيز خلال اليوم الرمضاني. لذا، يُنصح باستثمار فترات الصفاء الذهني والنشاط العالي – التي تكون غالباً بعد السحور أو عقب الإفطار بفترة وجيزة – لإنجاز المهام الكبيرة أو العبادات التي تتطلب تدبراً، بينما تُرجأ الأعمال الروتينية البسيطة لتلك الأوقات التي يقل فيها المجهود البدني والذهني.

وعلى الصعيد العملي داخل المنزل، يُعد التخطيط المسبق للمائدة وسيلة فعالة لتوفير الوقت؛ فاعتماد وجبات صحية بسيطة وتجهيز المكونات لأيام عدة مسبقاً يحرر المرأة من الوقوف الطويل في المطبخ، مما يمنحها مساحة أكبر للراحة والعبادة. كما لا يجب إغفال أهمية “الأوقات البينية” الضائعة في المواصلات أو الانتظار، حيث يمكن تحويلها إلى زاد روحي عبر الاستماع للذكر أو الدروس النافعة.

لضمان استمرارية هذا العطاء، لا بد من العناية بجودة النوم، فهو الوقود الذي يضمن صفاء الذهن والقدرة على الخشوع، ويحمي من تقلبات المزاج. يضاف إلى ذلك أهمية وضع حدود للالتزامات الاجتماعية، فالقدرة على الاعتذار بلطف عن بعض الدعوات توفر طاقة كبيرة يمكن توجيهها للأولويات الشخصية والروحية.

أخيراً، يمكن تحويل الروتين اليومي والعمل الوظيفي إلى عبادة بحد ذاتها عبر استحضار نية الإتقان ونفع الناس، مما يجعل اليوم كله في طاعة. وتبقى المراجعة الأسبوعية الهادئة للأداء، بعيداً عن جلد الذات، هي البوصلة التي تساعد على تعديل المسار والمرونة في التعامل مع الظروف المتغيرة لضمان شهر مليء بالبركة والإنجاز.