استيقظت محافظة دمياط على وقع فاجعة إنسانية مؤلمة راحت ضحيتها زهرة لم تتجاوز سنواتها الثلاث، وهو الطفل محمد ماجد الجنيدي، الذي تحولت رحلة علاجه من ألم الأسنان إلى مأساة حقيقية انتهت بوفاته. دخل الصغير إلى أحد المراكز الطبية الخاصة لإجراء جراحة كان من المفترض أنها بسيطة، لكنه خرج منها جثة هامدة، مما أثار موجة من الحزن والغضب وأعاد فتح ملف المخاطر المحيطة بإخضاع الأطفال للتخدير الكلي، وكيف يمكن لخطأ في تقدير الجرعة أن ينهي حياة إنسان في لحظات.

وفي تفاصيل ما حدث، روى الأب المكلوم فصول المعاناة، مشيرًا إلى أن ابنه كان يشتكي من أوجاع حادة في أسنانه، مما دفعه للذهاب إلى طبيب متخصص نصحه بضرورة التدخل الجراحي لحشو عدة ضروس تحت تأثير التخدير الكامل، وهي العملية التي تطلبت دفع مبلغ مالي كبير وصل إلى ثلاثين ألف جنيه. ورغم سداد التكاليف ودخول الطفل غرفة العمليات، إلا أن الأمور اتخذت مسارًا كارثيًا بعد مرور ساعتين، حيث لاحظت العائلة حالة من الذعر والارتباك بين أفراد الطاقم الطبي، ليتم إبلاغهم لاحقًا بوفاة الطفل نتيجة جرعة تخدير زائدة، وبحسب رواية الأب، فإن الطبيب والمساعدين لاذوا بالفرار فور حدوث الوفاة، مما دفعه للمطالبة بالقصاص ومحاسبة كل المقصرين.

وتعليقًا على الجانب الطبي لهذه المأساة، يوضح المتخصصون أن التخدير العام للأطفال، ولا سيما من هم دون الخامسة، ليس إجراءً هينًا على الإطلاق؛ فأجسادهم الصغيرة تمتلك حساسية عالية تجاه العقاقير، كما أن وظائف الكبد والكلى لديهم لا تعمل بنفس كفاءة البالغين في التخلص من الأدوية، فضلاً عن عدم اكتمال نضج أجهزتهم التنفسية. هذه العوامل تجعل أي خطأ حسابي بسيط في كمية المخدر بمثابة مشروع كارثة محققة قد تودي بحياة الطفل.

وعندما يتلقى الجسم جرعة زائدة من المخدر، يحدث هجوم مباشر على مركز التنفس في الدماغ، مما يؤدي إلى تباطؤ التنفس تدريجيًا حتى يتوقف تمامًا، وهنا تبدأ أجهزة الجسم في الانهيار نتيجة انقطاع الأكسجين. ومن المعروف طبيًا أن خلايا المخ لا تحتمل غياب الأكسجين لأكثر من بضع دقائق قليلة، مما يعني الدخول في غيبوبة أو الموت الدماغي السريع. وبالتوازي مع ذلك، قد تسبب الجرعة الزائدة فوضى في كهرباء القلب، مما يؤدي إلى هبوط حاد في الدورة الدموية أو توقف مفاجئ لعضلة القلب التي لا تقوى على تحمل هذه الصدمة الدوائية.

ويحذر الخبراء من أن الخطورة لا تكمن في وقت الجراحة فحسب، بل تمتد لتشمل مرحلة الإفاقة وما بعدها، والتي تتطلب مراقبة دقيقة ومستمرة، حيث يعتبر أي إهمال في هذه الفترة قاتلاً. ولهذا، يفضل الأطباء دائمًا اللجوء إلى التخدير الموضعي أو الجزئي في علاجات الأسنان وتجنب التخدير الكلي إلا في الحالات الحرجة جدًا وبوجود طبيب تخدير مختص. ومن الناحية القانونية، فإن ثبوت إعطاء جرعة خاطئة أو غياب المختصين أو الهروب من المسؤولية يضع الطاقم الطبي تحت طائلة المساءلة القانونية بتهمة الإهمال الطبي الجسيم، وهو ما يسعى والد الطفل لإثباته انتصارًا لحق نجله.