يفرض الشهر الفضيل أجواءً روحانية ساحرة تترك في النفوس مواقف لا تمحى بمرور السنوات، ولا يقتصر هذا الأثر على الحياة العامة، بل يمتد بوضوح إلى الملاعب الرياضية. ففي هذا الوقت من العام، تتقاطع المشقة البدنية للانقطاع عن الطعام والشراب مع المتطلبات القاسية للمنافسات والتدريبات، ومن رحم هذه التحديات، تولد حكايات طريفة ومواقف عفوية يعيشها نجوم الساحرة المستديرة، مما يفتح الباب لاسترجاع ومضات خالدة من مسيرة أهل الرياضة خلال أيام الصيام.
وفي هذا السياق، تبرز قصة ملهمة بطلها الحكم الدولي المصري السابق جمال الغندور، الذي عاد بذاكرته إلى أدغال القارة السمراء، وتحديداً خلال نسخة كأس الأمم الأفريقية التي احتضنتها جنوب أفريقيا عام ستة وتسعين. تزامنت تلك البطولة مع شهر رمضان، حتى أن البعثة المصرية عُرفت حينها بلقب “فريق الصائمين”. وتجسد الموقف الأصعب للغندور حين أُسندت إليه مهمة قيادة مواجهة حاسمة في دور الثمانية جمعت بين أصحاب الأرض والمنتخب الغاني.
أدرك طاقم التحكيم حينها حجم المجهود البدني المضاعف المطلوب لإدارة لقاء بهذا الحجم، مما دفعهم في البداية للاتفاق على الاستفادة من الرخصة الشرعية التي تبيح للمسافر الإفطار. وقبيل انطلاق صافرة البداية المسائية بساعات قليلة، توجه الغندور رفقة مساعده الأول محمد توفيق لتناول وجبة تسد رمقهم، إلا أنهما قررا المرور أولاً على زميلهما المالي ضمن الطاقم لاصطحابه. جاء رد الحكم المالي صادماً ومؤثراً في آن واحد، حيث رفض بشكل قاطع التخلي عن صيامه، وقد وقع هذا الرد كالصاعقة على الثنائي المصري، معتبرين إياه درساً في العزيمة، ليتراجعا على الفور عن قرارهما ويعقدا العزم على تحمل المشقة حتى النهاية.
خاض الحكام الشوط الأول بأمعاء خاوية، ولم يتسن لهم كسر صيامهم سوى في فترة الاستراحة، مكتفين برشفات من الماء وبعض الفاكهة بعد حلول موعد أذان المغرب. وعلى الرغم من قسوة الظروف، قدم الطاقم أداءً تحكيمياً استثنائياً أثار إعجاب الجميع، وما زاد من روعة المشهد هو انتظار عيسى حياتو، رئيس الاتحاد الأفريقي آنذاك، أمام مقر إقامتهم عقب اللقاء خصيصاً لتقديم الإشادة الشخصية بمستواهم المبهر. طغت نشوة النجاح وعبارات الثناء على أي شعور بالجوع أو الإرهاق، لدرجة أنهم تغافلوا تماماً عن تناول وجباتهم الرئيسية أو حتى السحور، ليواصلوا صيامهم إلى اليوم الموالي مدفوعين بفرحة الإنجاز وحدها.
التعليقات