تظل ذاكرة كرة القدم المصرية محتفظة ببعض اللحظات الفارقة التي غيرت مسار التاريخ، ولعل أبرز تلك التحولات الدرامية تتمثل في انتقالات اللاعبين بين القطبين، حيث يبرز اسم جمال عبد الحميد كواحد من أهم النجوم الذين خاضوا هذه التجربة المثيرة للجدل. فبعد رحلة ناجحة في الجزيرة، ظن الكثيرون أن مسيرته قد انتهت عقب قرار النادي الأهلي بالاستغناء عنه بداعي الإصابة، إلا أن القدر كان يخبئ له مجدًا آخر داخل جدران القلعة البيضاء، ليتحول هذا “الرفض” إلى نقطة انطلاق جديدة صنعت منه أسطورة خالدة في ميت عقبة، مثبتاً أن الموهبة الحقيقية لا توقفها العثرات.
بدأت حكاية عبد الحميد مع الزمالك كرهان رابح من المدرب الراحل أحمد رفعت، الذي آمن بقدرات المهاجم الفذ رغم غيابه عن الملاعب لموسم كامل للتعافي. ومنذ لحظة ارتدائه القميص الأبيض، سطر جمال تاريخًا امتد لعشرة مواسم متتالية، عرف خلالها طريق الشباك ببراعة مذهلة، إذ نجح في تسجيل 96 هدفاً خلال 232 مواجهة بقميص الزمالك، ليحجز لنفسه مكانة مرموقة بين الهدافين التاريخيين للنادي خلف أساطير مثل عبد الحليم علي وحسن شحاتة، خاصة على صعيد الدوري الممتاز الذي أحرز فيه للزمالك 73 هدفاً متفوقاً بفارق بسيط على رموز كروية أخرى.
لم تقتصر إنجازات “رأس الحربة الذهبي” على الأرقام الفردية فحسب، بل كان ركيزة أساسية في حصد البطولات؛ حيث قاد الفريق للتتويج بتسعة ألقاب متنوعة، تضمنت الهيمنة على درع الدوري في أربعة مواسم، ورفع كأس مصر، بالإضافة إلى التألق القاري بحصد دوري أبطال أفريقيا مرتين والكأس الأفروآسيوية. وعلى المستوى الرقمي، دخل جمال نادي المائة في الدوري المصري كخامس لاعب يحقق هذا الإنجاز التاريخي، ليصل إجمالي أهدافه المحلية مع القطبين إلى 111 هدفاً، بجانب تتويجه بلقب هداف الدوري في موسم 87-88، وامتلاكه سجلاً تهديفياً مميزاً في البطولات الأفريقية.
وعقب إسدال الستار على مسيرته الكروية الحافلة داخل المستطيل الأخضر، لم يبتعد عبد الحميد عن أجواء الكرة، حيث اتجه لمجال التدريب وخاض تجارب في الدوري السعودي للمحترفين مع ناديي الحزم والتعاون، قبل أن ينتقل إلى العمل الإداري متقلدًا عضوية مجلس إدارة نادي الزمالك في فترات مختلفة، بالإضافة إلى تواجده المستمر كمحلل فني بارز عبر الشاشات الرياضية، ليظل اسمه حاضرًا بقوة في المشهد الكروي المصري.
التعليقات