بينما تخضع جميع المعايير في الساحات الرياضية للتقلب والتغيير، بدءاً من تباين مستويات الأداء وصولاً إلى تداول الألقاب، يظل هناك ثابت وحيد يعاند منطق الربح والخسارة، وهو الجماهير العاشقة لكرة القدم. هذه الظاهرة تثير تساؤلاً جوهرياً حول السر الكامن وراء هذا الوفاء الراسخ الذي لا يتزعزع، حتى في أحلك الفترات التي تلاحق فيها الهزائم الفريق وتغيب عنه منصات التتويج.
إن العلاقة التي تربط المشجع بناديه تتجاوز بمراحل حدود المستطيل الأخضر وحسابات النقاط؛ فبالرغم من أن البطولات تمنح لحظات من السعادة الغامرة، إلا أنها ليست الوقود الوحيد لاستمرار الشغف. ينظر المشجع إلى كيانه الرياضي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من تكوينه الشخصي وانتمائه الاجتماعي، فهو قد يمثل له إرثاً عائلياً، أو رمزاً للمدينة التي ينتمي إليها، أو تعبيراً عن هوية ثقافية معينة، مما يجعل الرابطة وجدانية وعميقة الجذور لا تتأثر بالنتائج العابرة.
هذا العمق العاطفي يجعل من الانكسارات الرياضية تجربة مؤلمة، لكنها للمفارقة، نادراً ما تؤدي إلى التخلي عن الفريق. بل على النقيض، غالباً ما تتحول الأزمات إلى دافع لزيادة التلاحم والمساندة؛ حيث تزدحم المدرجات وتتعالى الأصوات في الأوقات الصعبة لترسل رسالة مفادها أن المعدن الحقيقي للمشجع يظهر عند التعثر لا عند الاحتفال، وأن الحب غير مشروط بحصد الكؤوس.
علاوة على ذلك، توفر كرة القدم لمتابعيها مساحة واسعة للشعور بالشراكة الفاعلة والتأثير المعنوي. فمن خلال الهتاف في المدرجات، أو الانخراط في النقاشات اليومية، أو الدفاع عن ألوان الفريق، يتحول الفرد من مجرد مشاهد سلبي إلى شريك في المصير. وفي المحصلة، قد يخسر الفريق مباراة أو يخرج من موسم خالي الوفاض، لكن المشجع لا يفقد بوصلته، لأن ولاءه نابع من إحساس بالهوية المشتركة، وهو ما يجعل جمهور هذه اللعبة الأكثر صلابة وبقاءً مهما عصفت الظروف.
التعليقات