في عالم الساحرة المستديرة، لا يقاس الوفاء والعطاء دائمًا بالبقاء داخل أسوار نادٍ واحد، بل هناك نجوم اختاروا أن تكون مسيرتهم أشبه برحلة استكشافية مستمرة؛ يتنقلون بحقائب خبراتهم بين الملاعب المختلفة، تاركين أثرًا مميزًا في كل محطة يحطون رحالهم فيها، وهو ما يجعلهم يستحقون وصف “رحالة الدوري” عن جدارة، ممن يثبتون أن التألق لا يرتبط بلون قميص محدد بل بالجهد المبذول على المستطيل الأخضر.

ويبرز اسم الحارس المخضرم محمود عبد الرحيم “جنش” كأحد أهم الأمثلة الحية لهذا النموذج، حيث يدافع حاليًا عن ألوان الاتحاد السكندري، ليعود بذلك إلى مسقط رأسه في مدينة الإسكندرية التي شهدت انطلاقته الأولى، ولكن هذه المرة بقميص “زعيم الثغر”. بدأت حكاية الحارس المولود في أواخر ثمانينيات القرن الماضي مع النادي الأوليمبي، قبل أن تأتيه النقلة الكبرى بالانضمام إلى القلعة البيضاء في عام 2011 لسد الفراغ في مركز حراسة المرمى، إلا أن طريقه لم يكن مفروشًا بالورود، إذ اصطدم بصعوبة حجز مكان أساسي في التشكيل لفترات ممتدة، وظل يصارع من أجل إثبات الذات.

عاش “جنش” سنوات من الصبر والاختبار الحقيقي داخل جدران الزمالك، حيث وجد نفسه يعود لترتيب متأخر بين الحراس كلما دعمت الإدارة صفوفها بأسماء جديدة، فمع انضمام حراس آخرين ثم وصول أحمد الشناوي الذي سيطر على المركز الأساسي عقب انتهاء حقبة عبد الواحد السيد، ظل “جنش” حبيس مقاعد البدلاء. ورغم ذلك، لم يفقد الحارس الأمل، وظل يترقب الفرصة التي جاءته أخيرًا بعد مغادرة الشناوي، ليغتنمها ويقدم أداءً بطوليًا نال به استحسان الجماهير وثقة الأجهزة الفنية، مثبتًا جدارته بحماية العرين الأبيض.

ولأن كرة القدم مليئة بالتقلبات، تسببت الإصابة في عرقلة توهج الحارس وتوقف انطلاقته، وبالتزامن مع قيام النادي بتعاقدات مكثفة في مركز حراسة المرمى ضمت ثلاثة حراس دوليين دفعة واحدة، وجد “جنش” أن الوقت قد حان لخوض تحدٍ جديد خارج ميت عقبة، فانتقل إلى فريق فيوتشر (مودرن سبورت حاليًا) بدايةً على سبيل الإعارة ثم بيعًا نهائيًا. وقد ترك خلفه إرثًا رقميًا مميزًا مع الزمالك، حيث خاض 114 مباراة تمكن خلالها من الحفاظ على نظافة شباكه في أكثر من نصفها، متوجًا مسيرته بسجل حافل من البطولات تنوع بين الدوري وكأس مصر، بالإضافة إلى الألقاب القارية كالكونفيدرالية والسوبر الأفريقي.

واصل “جنش” رحلة كفاحه مع فريقه الجديد، مشاركًا في 112 مباراة أظهر فيها ثباتًا في المستوى وقدرة عالية على الذود عن مرماه، قبل أن يتخذ قراره مع مطلع الموسم الحالي بالعودة إلى الجذور والاستقرار مجددًا في الإسكندرية عبر بوابة الاتحاد السكندري. ومنذ انضمامه لزعيم الثغر، شارك في العديد من اللقاءات الرسمية، مقدمًا مستويات قوية تعكس خبرته الطويلة، حيث نجح في الخروج بشباك نظيفة في معظم مشاركاته حتى الآن، ليؤكد أن قطار مسيرته لا يزال منطلقًا بقوة.