شهدت المنصات الرقمية مؤخراً حالة من السجال الواسع حول التسمية التاريخية لأعرق المتنزهات في مصر، حيث انصب النقاش على المفاضلة بين الاسم الرسمي المتداول حالياً واللفظ القديم الذي كان سائداً عند التأسيس. وقد انقسمت الآراء بين فريق يرى في اللفظ القديم “جنينة” تعبيراً عامياً لا يليق بالواجهة الحضارية، وفريق آخر يدافع عنه باعتباره جزءاً أصيلاً من الهوية المصرية تم طمسه بمرور الزمن، مؤكدين أن استعادته تمثل إحياءً للذاكرة الوطنية وليس مجرد تغيير شكلي.

واستند المدافعون عن الاسم التاريخي إلى وثائق ومراسيم ملكية تعود لعهد الخديوي توفيق، تشير بوضوح إلى أن الافتتاح الرسمي للمكان في مارس 1891 تم تحت مسمى “جنينة الحيوانات”، وهو الاسم الذي ظل معتمداً في المخاطبات الرسمية ولغة النخبة الحاكمة آنذاك. ووفقاً لهؤلاء، فإن هذا المصطلح لم يكن مبتذلاً، بل كان يعكس طبيعة اللغة الراقية المستخدمة في أروقة الحكم إبان حكم الأسرة العلوية، قبل أن تطرأ التغييرات الجذرية على مسميات الأماكن العامة.

وفي سياق البحث عن جذور التسمية، أوضح باحثون في اللغويات والتاريخ أن استبدال الاسم بـ “حديقة الحيوان” جاء مواكباً للموجة التي تلت ثورة يوليو 1952، والتي استهدفت تعريب الأسماء وتغيير ملامح الحقبة الملكية، مما أدى لغياب العديد من المصطلحات ذات النكهة المصرية الخالصة. ولم يكتفِ المدافعون بذلك، بل أشاروا إلى أن كلمة “جنينة” ضاربة في عمق التاريخ المصري، حيث تعود أصولها إلى مفردات اللغة المصرية القديمة التي تصف الأرض المزروعة والمحاطة بسور، وهو المعنى الذي لا يزال حياً في اللهجات الريفية حتى يومنا هذا، نافين بذلك ما يُشاع عن كونها مجرد تحريف أو تصغير لكلمة أخرى.

وقد تجاوز هذا الحراك الرقمي حدود الحديث عن حديقة الحيوان ليشمل قضية أعمق تتعلق بالعبث بأسماء المعالم والشوارع التاريخية في القاهرة الخديوية، مستشهدين بتغيير أسماء شوارع رئيسية تحمل أسماء رموز تلك الحقبة واستبدالها بأسماء أخرى بعد الخمسينيات. وقد خلص النقاش الدائر إلى أن الأسماء ليست مجرد لافتات توضيحية، بل هي أوعية تحفظ تاريخ المدن وثقافة شعوبها، مما جعل هذه القضية مدخلاً لإعادة التفكير في كيفية الحفاظ على المسميات التراثية كجزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية.