تتجاوز كرة القدم مجرد كونها رياضة تنافسية لتصبح مسرحاً تُنسج فيه الحكايات وتُخلد فيه الأسماء بفضل شغف المدرجات، فكثيراً ما تمنح الجماهير أبطالها ألقاباً تعيش أطول من إطلاق صافرة النهاية. وفي طيات الأجواء الرمضانية التي تفتح شهية استرجاع الذكريات، تبرز قصة أحد أهم أيقونات الملاعب المصرية، والذي ينحدر من سلالة رياضية عريقة، وهو حازم محمد يحيى الحرية إمام، الذي ورث جينات الإبداع عن والده حمادة وجده يحيى، ليحفر اسمه بحروف من ذهب في تاريخ الساحرة المستديرة.
لم يعتمد الفتى الموهوب، المولود في ربيع عام ١٩٧٥، على أمجاد عائلته ليصنع مجده، بل بدأ رحلة إثبات الذات من أروقة نادي الصيد. وهناك، خطفت مهاراته الاستثنائية أنظار كشافي القلعة الحمراء، وكاد أن يرتدي القميص الأحمر لولا التحرك الحاسم من والده الذي أعاد توجيه بوصلته نحو ميت عقبة. وسرعان ما أثبت جدارته بالقميص الأبيض في أول ظهور رسمي له أمام زعيم الثغر خلال موسم ١٩٩٣-١٩٩٤، ليفتح هذا التألق المبكر أبواب المنتخب الوطني أمامه، حيث منحه المدرب الهولندي رود كرول فرصة تمثيل الفراعنة للمرة الأولى أمام جنوب أفريقيا في عام ١٩٩٥.
لم تقتصر إبداعات الساحر المصري على الحدود المحلية، فمهارته الفذة في صناعة اللعب والتي توجته كأفضل صانع ألعاب في القارة السمراء، مهدت له طريق الاحتراف الأوروبي. انطلق في عام ١٩٩٦ نحو الدوري الإيطالي عبر بوابة أودينيزي، وتخللت رحلته فترة إعارة ناجحة في الأراضي الهولندية مع فريق دي غرافشاب استمرت لعام ونصف. ورغم هذه التجربة الثرية، اصطدم بجلوسه على مقاعد البدلاء فور عودته إلى إيطاليا، ليتخذ قراره التاريخي بالعودة إلى بيته الأول، نادي الزمالك، حيث بدأت حقبة جديدة من السحر الكروي مع مطلع الألفية الجديدة.
بعد عودته من أوروبا، بلغ نضجه الكروي ذروته، فنصبته الجماهير حاكماً متوجاً على قلوبهم بلقب “الإمبراطور”، تقديراً للوحاته الفنية داخل المستطيل الأخضر وقدرته الفائقة على قيادة فريقه للانتصارات. وما ميز هذا النجم عن غيره هو الإجماع الجماهيري النادر على حبه، حيث فرض احترامه بأخلاقه الرفيعة على أنصار الفرق المنافسة قبل مشجعي فريقه. ورغم تعدد الألقاب التي تغنت بها المدرجات مثل فنان الشعب وأمير الموهوبين ومهندس الكرة، إلا أن اللقب الأقرب إلى وجدانه لا علاقة له بكرة القدم، بل هو “أبو البنات”، اعتزازاً بثمراته الثلاث: هيا، تاليا، ولولوا.
لقد ترك هذا الفنان إرثاً رقمياً وبطولياً يعكس حجم موهبته، إذ دافع عن ألوان المنتخب في سبع وثمانين مواجهة دولية، تاركاً بصمته بستة عشر هدفاً قبل أن يودع الساحة الدولية في لقاء ضد الكويت عام ٢٠٠٥. أما على صعيد الأندية، فقد كان حجر الزاوية في تتويج الفارس الأبيض باثنتي عشرة بطولة كبرى تنوعت ما بين درع الدوري ثلاث مرات، وبطولتين في كل من كأس مصر والسوبر المحلي ودوري الأبطال الأفريقي، إلى جانب ألقاب السوبر الأفريقي، وكأس الأمير فيصل، والسوبر المصري السعودي. كما توجت مسيرته باعترافات فردية مرموقة، أبرزها حصوله على جائزة أفضل لاعب محلي في أفريقيا مرتين، وتتويجه كأفضل لاعب في مصر عام ٢٠٠٣، فضلاً عن تفوقه في مسابقات المهارات الفردية العالمية.
التعليقات