استقرت أقدام لاعبي بطل مصر على أرضية ملعب حماد العقربي بمدينة رادس، تأهبًا لخوض غمار الموقعة الكروية المرتقبة ضد نظيرهم التونسي مساء الأحد، ضمن المنافسات القارية المحتدمة. ولم تضع الإدارة الفنية خططًا للبقاء طويلاً بعد إطلاق صافرة النهاية، حيث رُتبت إجراءات المغادرة لتكون بشكل فوري وسريع. ومن المقرر أن تتحرك حافلة الفريق من بوابات الاستاد قاصدة مطار قرطاج الدولي مباشرة، لتنطلق رحلة العودة إلى القاهرة في تمام الثالثة من فجر يوم الإثنين بتوقيت العاصمة المصرية، لتطوى بذلك صفحة هذه الزيارة الخاطفة.
هذه القمة الكروية لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى إرث طويل من الصراعات الملحمية بين العملاقين، امتد عبر ستة وعشرين لقاءً في ثلاث عشرة مواجهة مباشرة. وتبدو السيطرة الحمراء واضحة في لغة الأرقام، إذ دانت الأفضلية للضيوف في ثلاث عشرة مناسبة، اللافت فيها أن ستة من هذه الانتصارات تحققت على الأراضي التونسية ذاتها. في المقابل، اكتفى أصحاب الأرض بأربعة انتصارات، بينما فرض التعادل نفسه في تسع مواجهات. ومحت الغزارة التهديفية أي شكوك حول التفوق الهجومي للفريق القاهري الذي زار الشباك بواحد وثلاثين هدفًا، مقابل خمسة عشر هدفًا سكنت مرماه. ولعل من أبرز معالم هذا التفوق، القدرة على حصد الفوز ذهابًا وإيابًا في ثلاث نسخ مختلفة، بدأت في الكونفدرالية عام ألفين وخمسة، وتكررت لاحقًا في نسختين من دوري الأبطال.
بالعودة إلى جذور هذا التنافس العريق، نجد أن شريط الذكريات انطلق في مطلع التسعينيات، حينما ابتسمت ركلات الترجيح للفريق التونسي بعد عقم تهديفي في مباراتي الذهاب والإياب. لكن مع مطلع الألفية، وتحديدًا في عام ألفين وواحد، استغل بطل مصر قاعدة الأهداف خارج الديار ليقتنص بطاقة العبور إثر تعادل إيجابي ثمين في تونس. وتوالت بعد ذلك الصدامات الإفريقية، فتبادل الطرفان الفوز كل على ملعبه في مرحلة المجموعات لعام ألفين وسبعة، قبل أن يثأر الفريق التونسي في نصف نهائي ألفين وعشرة مستفيدًا من أفضلية التسجيل بعيدًا عن قواعده. وفي العام التالي، تجدد اللقاء في دور المجموعات لتسفر المواجهتان عن فوز تونسي على أرضه وتعادل في القاهرة.
ومع تقدم السنوات، اتخذت المواجهات طابعًا أكثر حسمًا، خاصة في المباريات النهائية والمراحل الإقصائية. ففي عام ألفين واثني عشر، كتب الفريق المصري فصلًا تاريخيًا بتتويجه باللقب من قلب ملعب رادس إثر فوز حاسم بعد تعادل في الإسكندرية. ولم يتوقف الزحف القاهري عند مسابقة الأبطال، بل امتد لبطولة الكونفدرالية عام ألفين وخمسة عشر بانتصارين مقنعين. وفي ألفين وسبعة عشر، عاد الضيوف لقلب الطاولة في تونس بعد تعادل معقد في مصر. أما عام ألفين وثمانية عشر، فقد حمل وجهين متناقضين؛ فبعد تفوق مصري في دور المجموعات، تمكن الفريق التونسي من تعويض خسارته في ذهاب النهائي ليتوج باللقب بانتصار عريض بين جماهيره.
أما الحقبة الأخيرة من هذا الكلاسيكو الإفريقي، فقد شهدت هيمنة شبه مطلقة للكتيبة الحمراء، حيث تحولت الرحلات إلى تونس إلى محطات لانتصارات متتالية. ففي نسخة ألفين وواحد وعشرين، ضرب الفريق المصري بقوة محققًا الفوز ذهابًا وإيابًا في نصف النهائي، وهو السيناريو الذي استنسخه بحذافيره في الموسم قبل الماضي مسجلاً رباعية نظيفة في مجموع المباراتين. لتختتم هذه السلسلة المثيرة بمشهد النهائي في النسخة الماضية، والذي اتسم بالتحفظ التكتيكي الشديد وانتهى بتعادل سلبي في رادس، قبل أن تحسم النيران الصديقة اللقب لصالح عملاق القاهرة بهدف عكسي في الإياب، مسدلة الستار على أحدث فصول هذه القصة الكروية الطويلة.
التعليقات