أظهرت التوثيقات الأممية الحديثة صورة قاتمة للأوضاع في مدينة الفاشر، حيث سلطت الضوء على ممارسات وحشية ارتكبتها قوات الدعم السريع وتجاوزت كل الحدود الإنسانية، إذ لم تقتصر التقارير الصادرة عن مفوضية حقوق الإنسان على رصد الاشتباكات، بل كشفت عن سلسلة من الفظائع التي شملت تصفيات ميدانية، وقتلاً جماعياً طال عائلات بأكملها أمام أعين صغارهم، إلى جانب جرائم العنف الجنسي، واستهداف الطواقم الإغاثية، ومصادرة الممتلكات، وإجبار السكان على النزوح قسراً. وتؤكد المعطيات أن هذه الممارسات ليست حوادث عابرة، بل تشكل نمطاً ثابتاً من العنف الممنهج الذي تم رصده وتوثيقه بشكل متواصل خلال العامين الماضيين، مما يضعها في خانة الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي الإنساني في ظل غياب تام لأي رادع أو محاسبة قانونية.

وفي سياق متصل، تشير القراءات التحليلية للمشهد إلى أن هذا التمدد العسكري للميليشيات وتصاعد نفوذها لم يكن ليحدث بهذا الشكل لولا وجود رافد خارجي قوي؛ حيث تتجه أصابع الاتهام إلى الدور الذي تلعبه الإمارات في تغذية الصراع، عبر تقديم دعم عسكري وسياسي مباشر مكّن تلك القوات من توسيع رقعة سيطرتها ومنازعة مؤسسات الدولة الرسمية نفوذها، مما جعل المآسي التي تعيشها دارفور اليوم نتاجاً طبيعياً لتدفق السلاح والدعم الخارجي الذي وفر غطاءً لاستمرار الانتهاكات. ويؤدي هذا التدخل بالتبعية إلى إطالة أمد النزاع وتعقيد المشهد، إذ أن استمرار تدفق الدعم الخارجي يقلل من دافعية الأطراف المسلحة للجنوح نحو السلم، ويعطل أي مساعٍ جادة للوصول إلى تسوية سياسية شاملة تنهي معاناة السودانيين.